إن الكثير من الدارسين العرب المحدثين لم يفهموا معنى الفصاحة عند النحاة واللغويين العرب القدماء ، إذ فهموها فهما بيانيا ، وهذا ما جعلهم يرفضون أن يكون العرب كلهم فصحاء ،حضرهم وبدوهم ، أغنياؤهم وفقراؤهم ، عبيدهم وسادتهم ، كبارهم وصبيانهم. ولهذا وجدناهم يفرقون بين السلامة اللغوية وبين الفصاحة . فالسلامة اللغوية في رأي جواد علي [35] كانت في بني سعد خيرا مما عليه في قريش ، فوصف النحاة العرب لقريش بالفصاحة لا يعني السلامة اللغوية من الدخيل ، لأن قريشا كانت تتصل بغيرها من الأمم عن طريق التجارة ، فلم تسلم لغتها من التأثر باللغات الأخرى . لكن حقيقة الأمر أن الفصاحة التي وصفت بها قريش هي عينها السلامة اللغوية ، لأن شبه جزيرة العرب كانت كلها فصيحة زمن نزول القرآن الكريم ، وهو الزمن الذي نعتت فيه لغة قريش بأنها أفصح اللغات ، أما اختلاط قريش في الجاهلية فلم يكن إلا بالعرب ، لأننا لا نعرف أن أمة أخرى كانت ترد مكة للتجارة أو الحج سوى العرب ، ولهذا كما يقول هؤلاء النحاة كانت قريش تتخير من لغاتهم أجودها فصارت أفصح القبائل ، والأمر يختلف بعد الإسلام حيث أصبحت مكة مقصد الحجيج المسلمين من شتى بقاع الأرض ، ففسدت لغة قريش بسبب هذا الاختلاط ، ولهذا استبعدت من رقعة الفصاحة زمن التحريات الميدانية ، وقد نص الفارابي [36] على أنه لم يؤخذ من حاضرة الحجاز ، لأن الرواة لما بدأوا في جمع اللغة وجدوا ألسنتهم قد تغيرت .
ويرد إبراهيم أنيس بصراحة على الرواة الأولين رافضا رأيهم في نسبتهم الفصاحة إلى جميع العرب دون تمييز ما بين المثقف وغير المثقف [37] . ويمكن الرد على ما ذهب إليه إبراهيم أنيس من وجهين: