الصفحة 16 من 29

أما قولهم بأن البدوي لم يكن يعرف أكثر من خمسمائة كلمة ، فهو كلام لا يقف أمام الواقع الذي حدثنا به رواة اللغة المشافهين لهؤلاء الأعراب . فهل كان هؤلاء الرواة يختلقون اللغة ثم ينسبونها إلى الأعراب ؟ وهل يعقل أن يجمع كل الرواة على ذلك ؟ مع ما يروى عنهم من الورع والأمانة العلمية والتحرج الشديد في الرواية ؟ ثم إذا افترضنا جدلا إجماع الرواة على الكذب على الأعراب فهل كان سيسلم لهم بذلك باقي علماء الأمة في الشريعة ؟ وهم يعلمون أن القرآن والسنة فهمهما مقصور على ما يجمعه هؤلاء الرواة ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يمكن أن تدحض هذه الأقوال التي تشكك فيما رواه اللغويون عن الأعراب. فالغرابة كل الغرابة أن يُكَذِّبَ الغائب الشاهد ، وما رأينا هذا إلا في هذا ، وقديما قال العرب في أمثالهم: ليس من راء كمن سمع .

وكل ما يمكن أن نقوله في هذا المجال هو أن العرب بدهم وحضرهم كانوا أمة الكلام والخطابة والشعر ، والتاريخ يحدثنا أنهم كانوا يهتمون أشد الاهتمام بالشعر وبالكلام عامة، وكانوا جميعا في مستوى متقارب من التذوق وفهم الشعر والخطابة . فالفصحى التي نقضي نحن السنين الطوال في تعلمها كانت لغة المنشإ عندهم .

والشعر وأنواع الأدب عندهم كانت تعبر عن حياتهم اليومية ، وكان يفهما العامة والخاصة ، فالشعر عندهم ـ وهو بالفصحى عندنا اليوم ـ كان أشبه ما يكون بالشعر الشعبي الذي يقال باللهجات العامية ، فهل نجد نحن صعوبة لغوية في فهم هذا الشعر أو تذوقه ؟ أما إذا اعتبرنا الفصحى لغة الطبقة الراقية المتمدنة ـ كما هو حالنا اليوم ـ فمن الغريب في هذه الحال أن يتقنها هؤلاء البدو الأجلاف ، وهذا ما بنى عليه الكثير من المحدثين انتقاداتهم .

الفرق بين الفصاحة اللغوية والفصاحة البيانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت