والشيء الذي لم يستطع أن يهضمه هؤلاء الدارسين هو أنه لا يمكن أن تكون البادية أفصح من الحاضرة ،"فالقول بأن لغة البدو أفصح من غيرها من لهجات الحاضرة، ينقصه البرهان ، ولا يثبت أمام الواقع" [30] . ولكن علم الدين نسي وهو يطلق هذا الحكم أن كلامه هو الذي يحتاج إلى دليل ، ولا يثبت أمام الواقع الذي شاهده أولئك العلماء وأجمعوا عليه، وغاب هو وأمثاله عنه ، ثم رجموا بالغيب في هذه المسألة ، كما رجموا في مسالة ربط الفصاحة بالجنس العربي .
والغريب أن علم الدين يواصل حديثه بقوله:"ومقياس الفصاحة ـ كما أراه ـ لا يتصل بالبداوة أو الحضارة ، لأننا رأينا بدوا فسدت لهجاتهم ، وإنما يجب أن يكون المقياس هو الوثوق من سلامة لغة المحتج به ، بدويا كان أم حضريا" [31] . فكأنه لم يقرأ مطلقا ما قاله القدماء في هذا الشأن ، لأن هذا الرأي هو نفسه رأي القدماء في الفصاحة ، وقد رأينا كيف نص ابن جني على هذا في الخصائص [32] ، والفارابي في الحروف [33] . فربط الفصاحة بالبداوة لم يكن اعتباطا ، ولكن المقياس الذي وضعه العلماء كان لا ينطبق بعد القرن الأول للهجرة إلا على البدو فاقتصروا على الأخذ منهم دون الحضر .
وهناك من فهم الفصاحة التي ينسبها اللغويون إلى الأعراب فهما بيانا ، فاندهش كيف يمكن للأمَة الوكعاء أن تميز بين المعاني الدقيقة والأساليب الراقية [34] . وادعى أن كلام البدو لا يمكن أن يزيد على خمسمائة كلمة ، فكيف يكون حجة في كل كلام العرب ؟! وللإجابة عن هذا الوهم نقول بأن كلام العرب جميعا كان بدويا ، حتى بعض الحواضر منه كمكة والمدينة والطائف لم تكن الحياة فيها بعيدة عن حياة البادية ، ولم تكن فيها منتجات حضرية تختلف كثيرا عن منتجات البادية ، إنما شبه جزيرة العرب كلها كانت متقاربة من حيث التحضر، ومن هنا فاللسان العربي كان واحدا عند البدو والحضر في الجاهلية وصدر الإسلام .