الصفحة 15 من 29

والشيء الذي لم يستطع أن يهضمه هؤلاء الدارسين هو أنه لا يمكن أن تكون البادية أفصح من الحاضرة ،"فالقول بأن لغة البدو أفصح من غيرها من لهجات الحاضرة، ينقصه البرهان ، ولا يثبت أمام الواقع" [30] . ولكن علم الدين نسي وهو يطلق هذا الحكم أن كلامه هو الذي يحتاج إلى دليل ، ولا يثبت أمام الواقع الذي شاهده أولئك العلماء وأجمعوا عليه، وغاب هو وأمثاله عنه ، ثم رجموا بالغيب في هذه المسألة ، كما رجموا في مسالة ربط الفصاحة بالجنس العربي .

والغريب أن علم الدين يواصل حديثه بقوله:"ومقياس الفصاحة ـ كما أراه ـ لا يتصل بالبداوة أو الحضارة ، لأننا رأينا بدوا فسدت لهجاتهم ، وإنما يجب أن يكون المقياس هو الوثوق من سلامة لغة المحتج به ، بدويا كان أم حضريا" [31] . فكأنه لم يقرأ مطلقا ما قاله القدماء في هذا الشأن ، لأن هذا الرأي هو نفسه رأي القدماء في الفصاحة ، وقد رأينا كيف نص ابن جني على هذا في الخصائص [32] ، والفارابي في الحروف [33] . فربط الفصاحة بالبداوة لم يكن اعتباطا ، ولكن المقياس الذي وضعه العلماء كان لا ينطبق بعد القرن الأول للهجرة إلا على البدو فاقتصروا على الأخذ منهم دون الحضر .

وهناك من فهم الفصاحة التي ينسبها اللغويون إلى الأعراب فهما بيانا ، فاندهش كيف يمكن للأمَة الوكعاء أن تميز بين المعاني الدقيقة والأساليب الراقية [34] . وادعى أن كلام البدو لا يمكن أن يزيد على خمسمائة كلمة ، فكيف يكون حجة في كل كلام العرب ؟! وللإجابة عن هذا الوهم نقول بأن كلام العرب جميعا كان بدويا ، حتى بعض الحواضر منه كمكة والمدينة والطائف لم تكن الحياة فيها بعيدة عن حياة البادية ، ولم تكن فيها منتجات حضرية تختلف كثيرا عن منتجات البادية ، إنما شبه جزيرة العرب كلها كانت متقاربة من حيث التحضر، ومن هنا فاللسان العربي كان واحدا عند البدو والحضر في الجاهلية وصدر الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت