وهناك جواب آخر للاستفسار عن سبب ربط الفصاحة بالبداوة نجده عند القدماء، يقول ابن جني في الخصائص تحت عنوان:"باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر":"علة ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل قرية باقون على فصاحتهم ، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم ، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر . وكذلك لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر ... لوجب رفض لغتهم" [28] .
كما أن الفارابي أجاب إجابة واضحة عن هذا التساؤل عند تعرضه لسبب تحديد رقعة الفصاحة مكانا ، فذكر أن:"سكان البرية في بيوت الشعر والصوف والخيام والأحسية من كل أمة أجفى وأبعد من أن يتركوا ما قد تمكن بالعادة فيهم ، وأحرى أن يحصنوا نفوسهم عن تخيل حروف سائر الأمم وألفاظهم ، وألسنتهم على النطق بها ، وأحرى ألا يخالطوا غيرهم من الأمم للتوحش والجفاء الذي فيهم . وكان سكان المدن والقرى وبيوت المدر منهم أطبع، وكانت نفوسهم أشد انقيادا لتفهم ما لم يتعودوه ، ولتصوره وتخيله ، وألسنتهم للنطق بما لم يتعودوا ، كان الأفضل أن تؤخذ لغات الأمة عن سكان البراري منهم" [29] .
فليس في الأمر سر كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين المحدثين ، إنما هي أمور علمية معللة تعليلا واضحا لا مجال للطعن فيه . ولكن السر يكمن في هذا التهجم من طرف هؤلاء الدارسين المحدثين على النحاة واللغويين القدماء بدون دليل ولا حجة ، هل هو رفض القديم بكل ما فيه ؟ أم لحاجة في أنفسهم ؟ أم جريا وراء بعض المستشرقين غير النزهاء في موقفهم من التراث العربي ؟ أم أن كل ذلك وارد ؟ وعلى كل حال فالسر ليس في عمل علمائنا الأوائل بل في موقف هؤلاء منهم .