ارتبطت الفصاحة عند القدماء ارتباطا وثيقا بالأعراب وبالبادية ، حتى بدا للكثير من الدارسين المحدثين أن النحاة العرب كانوا يربطون الفصاحة بالأعراب لا لشيء إلا لأنهم أعراب، ويظهر هذا الارتباط في الكثير من كلامهم ، كقول الجاحظ:"ممن كان لا يلحن البتة كأن لسانه أعرابي فصيح ، أبو زيد النحوي وأبو سعيد المعلم" [22] . كما يظهر هذا في كلام ابن جني في الخصائص حين يقول:"وكان قد طرأ علينا أحد من يدعي الفصاحة البدوية ويبتعد عن الضعفة الحضرية" [23] ، ويظهر كذلك من قول الفارابي:"وبالجملة فإنه لم يؤخذ من حضري قط"، وقوله:"ولا من حاضرة الحجاز" [24] . وقول الفارابي هذا أتى به في معرض حديثه عن تحديد الرواة لرقعة الفصاحة مكانا ، حيث أبعدوا كل القبائل الحضرية بما في ذلك قبائل الحجاز .
هذه شهادات قليلة من كثير تبين جليا اهتمام اللغويين القدماء بالفصاحة البدوية، فما هو السر في ذلك ؟ وهل كان القدماء مبالغين في ربط الفصاحة بالبداوة ـ كما ادعى بعض الدارسين المحدثين ـ ؟ [25] .
لقد أجاب عن هذا التساؤل اللغويون والنحاة أنفسهم ، حيث أجمعوا على أن الأعراب كانوا أفصح من الحضر ، ونعني هنا الفصاحة اللغوية التي سنحددها لاحقا ـ إن شاء الله ـ.
والروايات التي تنسب إلى الأعراب الفصاحة أكثر من أن تحصى ، وهي شهادات من طرف من شافه هؤلاء الأعراب ، وقارن فصاحتهم بفصاحة غيرهم ، وقد حكم الجاحظ على البادية بأنها معدن الفصاحة ، وهو ممن شافه فصحاء الأعراب وخبر لغتهم [26] ، كما روي عن الفراء قوله:"إلا أن تسمع شيئا من بدوي فصيح فتقوله" [27] .