الصفحة 23 من 29

الثاني: لم يكن هؤلاء العلماء يهدفون إلى تسجيل تطور اللغة العربية ، وإنما كانت دراستهم دراسة بنوية آنية ، الهدف منها تحليل اللسان العربي في مرحلة واحدة منه وإليه ، كما قال دو سوسور ، ولهذا فهم من وجهة النظرة البنوية كانوا مصيبين في تحديدهم لرقعة الفصاحة زمانا ، لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لوجدوا أنفسهم يدرسون تطور اللغة ، وهذا منهج آخر لم يكونوا يقصدون إليه .

وخلاصة القول في هذا الباب هو أن للفصاحة في الاصطلاح العربي معنيين: الفصاحة البيانية ، وهي عبارة عن قدرة المتكلم على إنشاء كلام بليغ مؤثر في السامع، والفصاحة اللغوية: وهي التي نجدها عند النحاة واللغويين ، وتعني عندهم عدم اختلاط صاحب هذه الفصاحة بغيره من الأمم التي تتكلم لغة غير لغته ، أو يكون قد اختلط وقتا قصيرا لم تتغير فيه لغته . ولما بحث اللغويون والنحاة عن هذه الفصاحة في أواخر القرن الأول الهجري لم يجدوها تتوفر إلا في الأعراب الذين لم يختلطوا بغيرهم من الأمم ، ولهذا قاموا بتحديد رقعة هذه الفصاحة زمانا ومكانا ، فمن الناحية الزمانية رأينا أن الفصاحة اللغوية استمرت في العرب منذ اكتشاف أول نص في العربية ـ وهي نصوص أشعار امرئ القيس والمهلهل ـ إلى أواخر القرن الرابع للهجرة . أما من الناحية المكانية فقد استبعد الرواة كل القبائل الحضرية ، وكذا كل القبائل المتاخمة للأعاجم ، ولم يأخذوا اللغة إلا ممن ثبتت عندهم فصاحتهم من الأعراب القاطنين في بوادي نجد والحجاز ، كقبيلة تميم وأسد وقيس وهذيل وطيء ، وأبعدوا قبائل كانت في الجاهلية وصدر الإسلام أفصح العرب مثل قبيلة قريش للسبب الذي ذكرناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت