وابن جني وغيره ممن أعجب بفصاحة العرب والأعراب خاصة ، نراهم يستبعدون الكثير منهم ، بل ويلحنونهم ، كما فعل ابن جني مع الأعرابي الذي أنشده شعرا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشأؤها وأدأؤها ، فضعف فصاحته ، وترك الأخذ عنه [19] . فلو كان هؤلاء غير صادقين في إعجابهم بسليقة الأعراب لما أنكروا عليهم شيئا ، ولقالوا بأن العرب لا يخطئون أبدا ، ولكن الذي قالوه هو أن الفصحاء من العرب هم وحدهم الذين يجوز التعجب من فصاحتهم ، ولكن بجانبهم عرب وأعراب كثيرون أبعدوا من رقعة الفصاحة زمن التحريات ، ولم يشفع لهم كونهم عربا ولا أعرابا ، وكان على رأس من أبعد قبيلة قريش رغم اعترافهم بأنها كانت أفصح القبائل قبل الإسلام وقبل فساد لسانهم ، بسبب اختلاطهم بغير العرب ممن كانوا يقصدون مكة للحج والعمرة . فلماذا إذن نتهم هؤلاء بأنهم كانوا يبالغون في موقفهم من فصاحة من ذكروا ، ولماذا ترد رواياتهم وقد عرفوا بالأمانة ، بل وتوفر التواتر في هذه الروايات ، ولم يردها أحد من العلماء ، سواء أكانوا علماء لغة أم غيرهم ، فهل تجمع الأمة على شيء غير صحيح ، وقد قال فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ أُّمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ } [20] .
وفكرة السليقة ، أو ما سماه ابن خلدون بالملكة ، لم تكن واضحة عند جميع الدارسين العرب المحدثين ، فهذا محمد كامل حسين يقول:"ومن أعجب القواعد التي لا يمكن أن تكون سليقة إعراب"غير"فعليك أن تغير الجملة في ذهنك ، وأن تضع بدلا منها"إلا"، ثم تحدد إعراب ما بعد"إلا"وبذلك يتم لك إعراب"غير"، بعد تفكير طويل" [21] .