إنّ المرجعي الذي يخترق النصّ الفنيّ - كما يقول عبد السلام المسّاوي - بقصد خلق شخصيّة مشابهة في الحياة المعاصرة يساعدنا المتناصّ على فهمها عبر:"إثرائه بالشحنة المعنويّة المطلوبة" [1] ، لا يجد مبتغاه في قصص زكريّا تامر، ذلك أنّ هذا الاختراق يأتي عنده ليحقّق إحدى أهمّ وظائف التناصّ، وهي خلق المعارضة الساخرة (مفتاح،1985) .، وذلك بالتلميح إلى عسف السلطات التي يخضع لها الإنسان البسيط الذي يجرّم دونما جرم، ويحاكم دون محاكمة حقيقيّة يفسح فيها المجال لسماع صوته، أو دفاعه عن نفسه، كما يشهد عليه من هم أولى بالتجريم. ذلك أنّ إبليس في النصّ الكريم أكّد عجزه عن إغواء عباد الله الصالحين، فإذا أخذنا هذا الاعتراف بعين الاعتبار أمكننا أن نستنتج أنّ من قاموا بفعل الشهادة هم من أهل الغواية، والضلالة، وهو ما تؤكّده الشهادات نفسها، ومنها هذه الشهادة:
"الشهادة السادسة: كنت سجّانًا أعذّب الناس وأتعذّب، ولكنّ إبليس هاجم قلبي، فصرت أعذّب الناس، وأنا أضحك مسرورًا، وصار الناس يتعذبون وحدهم" [2] .
وممّا تقدّم يمكننا أن نسجّل النقاط التي توضّحت من خلالها وظيفة التناص في خلق معارضتها الساخرة، عبر ما حقّقته من مفارقة دلاليّة مع النصّ القرآني الكريم، وتلك النقاط هي:
1-عصيان إبليس إرادة الله تعالى، ورفضه السجود لآدم برغم ما يدركه من إرادة الله المطلقة في القرآن الكريم، على حين لم يناقش أمر السجود في القصّة، إذ سجد ما إن أمره القاضي بذلك. ممّا يشير إلى غياب ديمقراطيّة الحوار التي تقتضي سماع رأي المتّهم، وبالتالي هي إشارة إلى منتهى عسف السلطة.
(1) - عبد السلام المسّاوي. البنيات الدالّة في شعر أمل دنقل ( دمشق: اتحاد الكتّاب العرب، دط، 1994) 180.
(2) - زكريّا تامر. اليوم الأخير للوسواس الخنّاس، نداء نوح (لندن- بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، طـ1، 1994) 13.