"وكان مصطفى الشامي قد مثل آنئذ أمام قاضٍ وديع الابتسامة (...) وقد وجّه إليه تهمة الفرار، ولم يجد مصطفى ما يردّ به عليه سوى أنّ القبر مكان غير صالح للإنسان، فضحك القاضي مسرورًا ثمّ نطق حكمه، وبعدئذ انقضّ الرجال البيض الثياب على مصطفى، واقتادوه إلى أرض فسيحة خضراء، وهناك أنبئ أنّه سيشتغل في بناء القصور، فلم يفه بكلمة، ولم يطلق صرخة استغاثة، وتوسّل، إنّما التفت فيما حوله كحيوان سمع انصفاق باب القفص، وكانت عيناه طفلين مذبوحي العنق" [1] .
3-التناص:
يلعب التناصّ دوره - في قصص زكريّا تامر- في إذكاء الدلالة الشعريّة التي يسعى القاصّ إلى توليدها، سواء أتعلّق الأمر باستدعاء الشخصيّات التراثيّة، أو كان ذلك في استدعاء النصوص المختلفة، بغضّ النظر عن الخلاف حول المقصود بالتناصّ، إذ هو مصطلح إشكالي لم يتفق النقّاد حوله، على أنّ خير من قدّمه للنقد الحديث- كما يقول د.صلاح فضل- هي جوليا كريستيفا، التي تقول:
"إنّ الدلالة الشعريّة تحيل إلى معاني القول المختلفة، ومن حسن الحظّ أنّنا يمكن أن نقرأ أقوالًا متعدّدة في الخطاب الشعري نفسه، وبهذا يتخلّق حول الدلالة الشعريّة فضاء نصّي متعدّد الأبعاد، يمكن لعناصره أن تتطابق مع النصّ الشعري المتعيّن، ولنطلق على هذا الفضاء اسم التناصّ، ومن هذا المنظور يتّضح أنّ الدلالة الشعريّة لا يمكن أن تعتبر رهينة شفرة وحيدة، بل تتقاطع فيها عدّة شفرات لا تقلّ عن اثنتين، وكلّ منهما ينفي الآخر (...) فإنتاج النصّ الشعري يتمّ من خلال حركة مركّبة، من إثبات ونفي نصوص أخرى" [2] .
(1) - زكريّا تامر. السجن، الرعد (( لندن- بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، طـ3، 1994) 14.
(2) - صلاح فضل. شفرات النصّ، دراسة سيميولوجيّة في دراسة القصّ والقصيد (بيروت: دار الآداب، طـ1، 1999) 116.