وابتدره واحد منهم قائلًا له بلهجة عدائيّة، فظّة: أعطنا هويّتك (...) فقطّب طارق بن زياد جبينه، بينما كان الدم المتدفّق في شرايينه رعدًا شرسًا، غير أنّه لم يكد يهمّ باستئناف سيره حتى طوّقه رجال الشرطة، وأمسكوا به، فحاول الإفلات من أيديهم، فبادروا يضربونه بقسوة، وتشفٍ حتى أرغموه على الكفّ عن المقاومة، وتهاوى أرضًا يغمره الخجل، والدم" [1] ."
ويلعب المجاز دوره في تقديم الشخصيّة السلطويّة أيضًا. فهو ينهض في مقابل الوصف الواقعي، لا ليكشف عن المعالم الخارجيّة للسلطة، وإنّما ليعمّق الوعي بالسلوك غير السوي لممثليها، منطلقًا- في ذلك- من الأحكام القيميّة التي يطلقها الراوي المتعاطف مع المتسلّط عليه، أو البطل الواقع عليه فعل التسلّط، كما هي الحال مع (سليمان الحلبي) في قصّة ( الجريمة ) - على سبيل المثال لا الحصر- وفي هذه القصّة يلجأ القاصّ إلى المجاز المرسل، متكئًا في ذلك على تقنيّة الألوان، عبر المقابلة بين اللونين الأسود والأبيض، في إشارة إلى البعد النفسي للشخصيّة السلطويّة، الممثّلة بالمحقّق، الذي يملي إرادته على صفحات بيضاء، كإشارة دالّة، إلى كون السلطة إرادة تشويه، وقبح قسري للعالم النظيف. فالمحقّق ذو الشاربين الأسودين يصبح من وجهة نظر البطل سليمان الحلبي: (الرجلَ الأسود) ، ممّا يشير إلى أنّ هذا الانزياح من الجزء إلى الكلّ - الذي حقّقه هنا المجاز المرسل - هو انزياح دال، أيضا،ً من مستوى الشكل الخارجي للسلطة إلى الباطن النفسي، كما هو مفهوم من السياق، ومن تبنّي الراوي الخفي هذا الحكم الذي أطلقه بطل القصّة نفسه، إذ نجد هذا الحكم القيمي الذي أطلقه سليمان الحلبي على المحقّق يتصدّر المساحات المخصّصة لحوار الأخير، وكأنّه صار اسمًا له،وعلامة عليه، ممّا يقرّب المجاز المرسل من الكناية:
(1) - زكريّا تامر. الذي أحرق السفن، الرعد (لندن- بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، طـ3، 1994) 23- 24.