فحذاء الحارس الذي يصفه القاص بأنّه ثقيل، شكّل من هذا المنظور حافزًا سوّغ انقلاب البطل من حال التوازن إلى عدم التوازن، الذي توضّح من خلال توالي الأفعال المعطوف بعضها على بعض، ممّا سرّع في تنامي الحدث، وتجلّي الأزمة التي يعيشها. ففي مقابل الجملة الطويلة التي وظّفها القاصّ لوقع حذاء الحارس الثقيل أمام باب الزنزانة - التي يشير بطؤها إلى التماسك، والثقة بالنفس - جاء العطف بالجمل القصيرة ليوحي باضطراب الشخصيّة، وفقدانها طمأنينتها إثر سماع وقع الحذاء، وهو ما أفادته فاء السببيّة والواو في الجمل التالية المعطوف بعضها على بعض: ( فهرع نحو فراشه، وجلس فوقه، وتجمّد) .
وهو إذ يعمد إلى تبئير واقع العنف، فإنّه يلجأ إلى تقنيّة الكاميرا التي ترتكز- كما يقول د. صلاح فضل- على توظيف الباصرة (فضل،1992) ، وذلك باعتبارها رؤية من الخارج توفّر ما من شأنه أن يحيط بمشاهد الاعتقالات، والممارسات العنيفة. ففي قصّة ( الذي أحرق السفن) - وتحديدًا مشهد الاعتقال - يبدأ الحدث مباشرة بظهور رجال الشرطة العابسي الوجوه، بل إنّ ظهورهم بالشكل الرهيب ـ الذي عبّر عن رؤية أولى للمشهد الحركي - يسبق ظهور الشخصيّة المراد اعتقالها، تمامًا كما أنّ منطوقهم يسبق منطوقها، في تدليل واضح على أنّ احتواء السلطة للمعتقلين على مستوى المشهد الفني الحركي، هو معادل لاحتوائهم على مستوى الفاعليّة، وبالتالي هيمنة الأوّل منهما على الثاني، الذي ترجم أوّلًا: باللهجة العدائيّة، الفظّة، وثانيًا: بالممارسات العنيفة، وهذا ما توضّحه المفارقة التالية في المشهد الحركي التالي:
"الأشجار الخضر في الشارع كفّت عن الغناء لحظة تحلّق عدد من رجال الشرطة المتجهّمي الوجوه، حول رجل يمشي على الرصيف سيفًا هرمًا، رمحًا متعبًا، آن له أن يخلد إلى الراحة بعد انتصاره في آلاف المعارك."