إنّ الوصف الواقعي لرجال الشرطة في قصّة ( النهر ) - على سبيل المثال لا الحصر - يلعب دور المحفّز لاستنفار الشخصيّة القصصيّة غير المتكافئ في مواجهة السلطة، إذ يقترب رجال الشرطة:"وأيديهم على مقابض مسدساتهم المتدلّية من خصورهم" [1] ، بما يوحي بتضاؤل الشخصيّة الأخرى نظرًا لعدم قدرتها على المواجهة، ولشعورها بضعفها كفرد أعزل في مواجهة جماعة مسلّحة تختلف معها في طبيعتها، وفي تكوينها النفسي. فعمر السعدي الشاعري، الذي يتأمّل النهر برومانسيّة، لا يشبه في شي ء رجال الشرطة الذين تحلّقوا حوله بوجوههم القاسية، المتجهّمة:"واستدار عمر السعدي ليواجه أربعة وجوه متجهّمة" [2] .
والقاصّ لا يكتفي بإثارة مشاعر الرهبة والتوجّس، إثر التقديم البصري لرجال الشرطة وحسب، وإنّما يتجاوز ذلك إلى رصد ما يمكن أن تقدّمه حاسة السمع من تصعيد لتوتّر الشخصيّة النفسي، وشعورها بالتوجّس، والافتقاد إلى الطمأنينة حتى قبل أن تتواجه مع ممثّل السلطة. فعمر السعدي يحسّ بالرّعب لمجرّد سماعه وقع ارتطام حذاء الحارس بأرض الممرّ الصلدة أمام باب زنزانته:
"وكان يحسّ أنّ دمه طفل ينتحب، لحظة يتناهى إليه ارتطام حذاء الحارس بأرض الممرّ الصلدة" [3] .
إنّ لوقع الحذاء دوره البيّن في تصعيد حدّة التوتّر الدرامي وتناميه عند البطل الذي تتجاوز ردّة فعله مجرّد الإحساس بالخوف إلى التعبير الظاهر عنه في الهرب، وفي طلب الأمان في زاوية الزنزانة، بما لا يعود عليه إلاّ بمزيد من الخوف:"وبلغ مسمعه وقع حذاء ثقيل يدنو من باب الزنزانة، فهرع نحو فراشه، وجلس فوقه، وتجمّد متضائلًا، يغمره خوف غريب، وتفاقم خوفه حتى تحوّل إلى ألم يرعش اللحم، والعظم" [4] .
(1) - زكريّا تامر. النهر، ربيع في الرماد (لندن- بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، طـ3، 1994) 72.
(2) - المصدر نفسه: ص 72.
(3) - المصدر نفسه: ص 73.
(4) - المصدر نفسه: ص 74.