الصفحة 17 من 35

إنّ الخطاب السلطوي ليبلغ في قصص أخرى درجة الإلغاء الكلّيّ لأي خطاب آخر كان بالإمكان أن يصدر عمّن هم أدنى، وهو لا يحول دون بروز ذلك الصوت - على ضعفه - وحسب، وإنّما يعمل على إعادة تشكيل ذاكرة المتسلّط عليهم، وصياغة وعيهم بمنطوقه أو سلوكه، ممّا يهيّئ الحال للاستسلام للأمر الواقع، دون أن تبدو عليهم أيّة مؤشّرات من شأنها أن تعبّر عن الرفض - ولو كان ضمنيًّا - وهو أبسط حالات الرفض، ففي المقطع القصصي ( سهرة في المخفر ) من قصّة ( بعض ما جرى لنا ) - على سبيل المثال لا الحصر - يتكرّر صوت ممثّل السلطة إحدى عشرة مرّة متتالية دون انقطاع، دون أن يقف صوت واحد ليعبّر عن موقفه ممّا يقال، أو حتى ليعلّق على الكلام، وما شابه ذلك. وبرغم أنّ ما يقوله ممثّل السلطة لا يمتّ بشكل مباشر إلى الطرف الآخر بصلة - على اعتبار أنّ ما يقوله هو في عموم الوقائع - فإنّه يمكن القبض على وقع الخطاب السلطوي من تلك الهيمنة السرديّة الواضحة، ومن تكراره عبارات، أو كلمات مفردة تشكّل لازمة يفتتح بها مقاطعه كتكراره للمرّات الإحدى عشرة العبارة التالية: ( وقال لنا رئيس المخفر: وقبضنا على) . إذ لم تكن الغاية إعلامنا بما قاله رئيس المخفر على الإطلاق، بقدر ما هي الرغبة في التأكيد على سلطة القول أوّلًا، ثمّ سلطة الفعل ثانيًا. إذ له القول، ولهم الإنصات التامّ، كما أنّ له الفعل، ولهم الاستجابة الفوريّة لإرادته. ولعلّ في هذا الجزء من المقطع ما يشير إلى بعض ملامح ذلك الخطاب السلطوي:

"وقال لنا رئيس المخفر: وقبضنا على رجل متزوّج من عشر زوجات، ويعامل كلّ زوجة بوصفها دكّانًا مطلوبًا منها كلّ يوم أن تربح."

وقال لنا رئيس المخفر: وقبضنا على ثلاثة رجال كانوا يحاولون هدم مسجد.

وقال لنا رئيس المخفر: وقبضنا على فتاة صغيرة، جميلة، مختصّة بإغواء الأتقياء من الشيوخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت