الصفحة 16 من 35

ولا يخلو الخطاب السلطوي، البارز عبر المشهد الحواري، من الميل إلى الطرافة في استدعاء منطوق السلطة، وتعريته عبر سخريّة مبطّنة من منطقها الهشّ، تكشف عن هرطقتها، وعدم إقناعها كسلطة تتّخذ من أتفه الأسباب وسيلة لإنجاز محاكمة صوريّة، هي مقصدها، ومبتغاها. ففي قصّة (الإعدام ) - على سبيل المثال لا الحصر- تتمثّل السلطة بشخص الحارس الليلي الموكل بحماية جثّة عمر المختار، المتدلّية من حبل المشنقة. وعلى الرّغم من أنّ الحارس الليلي هو أبسط أشكال السلطة نظرًا لأنّه مأمور من قبل سلطة أعلى، فإنّه بالمقابل يتقمّص أسلوبها، ولغتها، عبر محاكمة صوريّة يعقدها لدمية في يد طفل صغير، مطلقًا حكم الإعدام عليها، كمعادل موضوعي لإعدام عمر المختار في إشارة - ولو من بعيد - إلى إرادة السلطة في إعادة صنع الشخصيّة الإنسانيّة على شاكلتها، وبما يخدم قرارها:

"وقطّب جبينه، وقال للدمية: أنت يا بنت متّهمة ب...لقد نسيت التفكير بالتهمة. حسنًا. .أنت متّهمة بارتكاب جريمة، سأنبئك بها فيما بعد. فهيّا اعترفي، ولا تحاولي خداعي، فأنا أتقن إطلاق النار. أنت لاتريدين الكلام؟ افعلي ما يحلو لك، ولكنّك ستدفعين ثمن تحدّيك للمحكمة" [1] .

وإذ يتوجّه الحارس الليلي إلى الدمية بالتهم التي تقود إلى إعدامها، فإنّ صمتها الطبيعي كدمية، يعادل الصوت الكتيم للضحيّة أمام سلطة تجاهر باعتقالها لأسباب تجهلها، ولا تدرك أبعادها. وإنّ صمتها - في هذا المشهد - هو بمثابة إتمام للمشهد السابق في قصّة (الجريمة) ، في رسم موقف الضعف الإنساني مقابل صوت السلطة، طالما أنّ صوته في الحالتين معًا لا يصل إلى أذن واحدة صاغية، وإن وصل فإنّه يصار إلى تجاهله، وتهميش وقعه بشكل قصدي، ممّا يحقّق أحاديّة الصوت القمعي المفروض على الضحيّة، شاءت ذلك أم لم تشأ.

(1) - زكريّا تامر. الإعدام، دمشق الحرائق (دمشق: منشورات مكتبة النوري، طـ2، 1978) 63-64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت