والجدير ملاحظته إثر قراءة المشاهد الحواريّة، التي يتبدّى من خلالها منطوق السلطة عاريًا، صارخًا في قصص زكريّا تامر، أنّه لايمكن أن نمرّ مرور الكرام بهذا الحوار على اعتبار أنّ المقابلة بين المنطوقين: منطوق السلطة، ومنطوق المتسلّط عليهم، هي وحدها الكفيلة بإثارة التوتّر الدرامي الذي من شأن الحوار أن يخلقه، نظرًا لافتراق المواقع التي يصدر عنها كلّ طرف، ذلك أنّ للكلمات في هذه المشاهد الحواريّة - مفردة، أم داخل السياق الحواري- دلالتها الواضحة التي من شأنها أن تبرهن على ما وقفنا عنده من سمات القمع، والتجبّر، والتعالي، والهيمنة. ممّا لايفسح مجالًا للشخصيّة الأخرى أن تعبّر عن نفسها، إذ يبقى صوتها، وإن نطقت، غير مسموع، أو لنقل، ملغىً في مواجهته صوت السلطة.
ففي المشهد السابق يتوزّع منطوق السلطة بين الإنشاء والخبر، موهمًا بأنّ ثمّة تعادلًا بين الأسلوبين: الإنشائي الأحادي التعبير، والخبري القابل للتصديق أو التكذيب، كما يوهم بتعادل المواقع بين الطرفين المتحاورين. على أنّ عبارات مثل: ( اعترافك ليس مهمًّا ) ، ( جئت إلى هذا العالم كي تهلك) ، ( ستهلك دون احتجاج ) ، ( أنت مجرم ) ، وعبارات شبيهة متوزّعة في قصص أخرى من شأنها أن تكشف زيف ديمقراطيّة مكاتب الاستجواب، كما من شأنها أن تدلّ على خطأ الثبت القانوني، الذي يتلخّص في كون المتّهم بريئًا حتى تثبت إدانته. فالحكم هنا يسبق الاستجواب، واعتراف الشخصيّة، أو عدم اعترافها، الذي يعدّ في مثل هذه الأحوال سيّد الأدلّة، ليس بذي قيمة في ظلّ النظم البيروقراطيّة. ومن هنا ينزاح الشكل الإنشائي للكلام سياقيًّا إلى الشكل الآخر الخبري مستدعيًا حالًا من التسليم والانقياد لأولي الأمر قولًا وفعلًا. ساعد على ذلك استخدام الكاتب ضمير المخاطب الذي يوحي بالمباشرة، وبشيء من ارتفاع نبرة الخطاب سلطويًّا: ( أنت مجرم ) .