ويظهر - بوضوح - اعتماد النّمر بن تولب في رسم الصورة الكلية لهذه الروضة على ما يعرف، في البلاغة، بالتشبيه الاستطرادي؛ وهذا التشبيه ليس فيه تدوير، كما كان الحال في روضة الأعشى التي بناها على التشبيه المدوّر، أو الصورة الاستدارية، وإنما يفصل الشاعر فيه في صفات المشبه به، ويستطرد بها. أما التشبيه الاستطرادي الذي شكّل به الشاعر صورة الروضة الغزلية، فقد أقامه الشاعر على تشبيهين حسيين؛ صوتي، وشمّي، في البيتين: الخامس، والسادس (كأن أصواتها ...) و ( كأن ريح ... ) ، وعلى ألفاظ موحية شكّلت جملًا شعرية مصوّرة (جاد عليها مسبل هطل، وبلّها ديمٌ، ولم يرعها أحد، واربتّها فأو محفوف بأعلام، وتسمع للطير في حافاتها زجلًا ) ، وعلى النفي (لم يرعها أحدٌ) .
يبدو - جليًّا - حرص الشاعر النَّمِر، في حديثه عن الروضة، على المزج المتقن بين الطبيعة والمرأة، ويبدو - أيضًا - سعيه إلى إبراز مواطن الفتنة والإثارة، ومظاهر الحياة في صورة الأنثى، ولا سيّما الخصب والنماء. ويتبيّن للدارس أثر العوامل الحسية؛ البصرية، والسمعية، والشّمّية في تشكيل الصور الجزئية، ومن ثم الصورة الكلية للطبيعة والمرأة الأنثيين.
ويمكن للباحث، بعد ذلك، أن يخلص إلى أن النّمر بن تولب وظف صور الطبيعة، ومنها صورة الروضة، في الغزل، كما فعل غيره من الشعراء، ومنهم عنترة والأعشى اللذان سبق الحديث عن روضتيهما الغزليتين. ولعلّه وافق الشاعرين معًا في إبعاد روضته - أنثاه عن الناس، وفي جعلها في مأمن منهم، والحفاظ عليها عزيزة مصونًا .