إنها صلة حميمة بين (( الميثاء ) )- الأنثى، والمطر- الذكر، يبرز فيها عنصر الإخصاب والإحياء، وتتجلى فيهل معاني الخصب والنماء. ولا شك في أن (( جمرة ) )- الأنثى تنال - فنّيًّا - حظًا وافرًا من دلالات الخصب والحياة؛ من خلال المماثلة التي عقدها الشاعر بينها وبين (( الميثاء ) ). وربما أيدت هذه الدلالاتِ صورةُ ثمر التمر (ابن النخلة) التي استحضرها النمر في البيت الخامس من النصّ، والتي شبه فيها أصوات الطير المترددة في
(( الميثاء ) )بأصوات (( الجرّام ) )صرّامي التمر.
ولكي يستكمل ملامح هذه الروضة الفاتنة، ويستوفي لها عناصر الصورة البديعة، راح يطيّب أجواءها بألوان من الروائح المنعشة المنبعثة مما انتشر فيها من الخزامى والحنوة، ويمزج بينها وبين ضروب الطيب والبخور في صورة تشبيهية قد تكون مألوفة في شعرنا القديم. ولعّل الباحث لا يغرب في التفسير والتأويل إذا ما هو تحسّس معاني الإثارة الغريزية، في حديث الشاعر عن الروائح الزكية التي انبثقت من الروضة- الأنثى، في آناء الليل، وهي الروائح المثيرة ذاتها التي فاحت من مشبهها (( جمرة ) ).
يُنبت الشاعر هذه (( الميثاء - الروضة ) )معادل (( جمرة ) )في بطن من الأرض تطيف به الجبال، كي تظل عزيزة، عصيّة المنال، في منأى عن كل من سار على قدمين، لا يبلغها غير من كان له جناحان يطير بهما؛ ولهذا كان الطير - وحده - ولعّله معادل الشاعر - من يصدح في أرجائها، ويملأ فضاءاتها غناء وطربًا.
هكذا اكتملت صورة هذه الروضة الغزلية التي برع النّمِر في رسم خطوطها وظلالها، وفي إبراز ألوانها، وبعث الحركة والحياة في تلافيفها، وفي بث الألحان العذبة، ونشر الروائح الطيبة في جنباتها، وفي غرس بذور الخصب والنماء في تربتها. وهكذا يجب أن تكون (( جمرة ) )التي شبهت بها مكتملة الصورة، مثالًا للحسن والبهاء، والفتنة والإشراق، والملاحة والعذوبة، والخصوبة، والحياة الهانئة.