لقد عُني الأعشى بتشكيل هذه اللوحة البديعة عناية فائقة؛ بما وفّره لها من لغة جميلة سلسة منسابة، ورقة في التعبير، ورشاقة في الإيقاع، ودقة في التصوير، وبراعة في صياغة الصورة الاستداريّة؛ وبما بثّه فيها من نعوت لفظيّة مصورة (( معشبة، خضراء، مسبل، هطل، شَرِق، مُؤَزَّر، مُكْتهل ) )، ورموز، وصور حسّيّة إيحائية بصريّة (( اللونيّة منها بخاصة ) )، وشمّيّة؛ وبما وشاها به من الخطوط، والظلال، والأضواء، حتى اتسقت عناصرها، وتآلفت مشاهدها، وتمّت صياغتها، واكتملت بنيتها الفنية البديعة التي ميّزتها عن غيرها من الصور واللوحات الاستدارية، وعن لوحات الروضة الغزلية في شعرنا القديم كلّه، فغدت مثالًا في مجالها يُتمثل به في كتب الأقدمين، وموضع إعجاب القدامى والمحدثين، واستحسانهم. وكيف لا يوفّر الأعشى عناصر الإبداع كلها للوحة الروضة، ولِمَ لا يلحّ على تحقيق هذا الكمال لها مادامت الروضة مقرونة بالمحبوبة هريرة، ومعادلًا فنيًا لها، وما دامت الواحدة منهما قد امتزجت مع الأخرى امتزاجًا روحيًا وجسديًا في مخيلة الأعشى ؟!
إنّ لوحة الروضة هذه نتاج خيال خصب، ومخيّلة ثرّة، وبراعة تصويرية فائقة، ومقدرة تعبيرية متميزة ؛ كما هي نتاج حسٍّ بالجمال فطريّ، وشعور به داخلي رهيف، فضلًا عمّا يبدو فيها من أثر للفطنة، والذكاء، والدربة. ولولا ذلك كله، لما تمكّن الأعشى من صياغة هذه اللوحة الشعرية البديعة الحافلة بعناصر الحياة والفن الرفيع.