فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 24 من 40

والاستدارة الفنية ضرب من ضروب التشبيه، وأسلوب من أساليب التصوير، يتميز عن التشبيهات المألوفة الغالبة الاستخدام، وعن أساليب التصوير الأُخر الشائعة، باستفاضة القول في المشبه به الذي يتصدر الكلام، واستقصاء المعاني التي يُراد لها أن تكون مشتركة وقسمة نَصَفًا بينه وبين المشبه، لا يفضل فيها المشبه على المشبه به، في أي حال من الأحوال، بل ربما كان العكس، فيتفوق المشبه على المشبه به، فيها كلها، أو في بعضها. وهو أسلوب من أساليب التعبير والتصوير الأنيقة المحببة، من غير شك ؛ لما يتّسم به من سلاسة وانسياب، ووئام بين الألفاظ، واتساق في التراكيب، وترابط بين المعاني والتئام، وغير ذلك. ولعل تلك السمات، وغيرها، هي التي دعت ابن حجّة الحموي، في أثناء حديثه عن (( التفريع - الاستدارة ) )إلى القول: (وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق وأوقع في القلوب) (37) .

والباحث يرى ما يراه الدكتور أبو ذياب، وهو أن هذا الأسلوب يتطلب من الشاعر أناة ظاهرة، واقتدارًا واسعًا، واستقصاء للمعاني والأبعاد الفنية والعناصر الجمالية، ومهارة في الربط بين أجزاء الكلام، وبراعة في الصياغة الفنية، وغيرها من ملكات (38) . ولكنه لا يشاطره الرأي في أن متطلبات هذا الأسلوب الفنية تلك، هي التي جعلت نماذج الصورة الاستدارية قليلة نادرة عند الشعراء (39) ، ولا يوافقه في أن تقويم الشعراء وتصنيفهم - من حيث الإبداع والفن - من خلال صورهم ولوحاتهم الاستدارية يتم بصورة أوضح، وأدق من صورهم التشبيهية المباشرة (40) ، كما لا يوافقه في أن التصوير الاستداري، مهما بلغت صورته من الكمال والجمال، دليل على العبقرية، ومظهر من مظاهر التفوق التي تحسب للشاعر، ويدل على اقتداره الفذّ، وشاعريته المبدعة (41) ؛ إذ ليس كلّ شاعر بنى صورة استدارية، أو أكثر - وإن كانت بديعة - عبقريًا فذًا، ومبدعًا بارعًا، كما ليس كل من خلا شعره من التصوير الاستداري غير ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت