فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 25 من 40

حظيت لوحة الأعشى الاستدارية التي بين يديّ البحث بالقبول والإعجاب، لدى النقاد القدامى، والبلاغيين، فيكاد لا يخلو مؤلف من المؤلفات الأدبية، والنقدية، والبلاغة من إشارة إليها، أو ذكرها، أو وقفة عليها. وقد عدّها البديعيون مثالًا لأسلوب (التفريع - الاستدارة ) . وحازت لوحة الروضة الاستدارية هذه اهتمام المعاصرين من النقاد، ودارسي الشعر القديم، وكانت موضع الإعجاب في كتاباتهم، عدا الأستاذ الفاضل الدكتور شوقي ضيف الذي اتخذها شاهدًا على انفكاك التعبير لدى الأعشى، في سياق الحديث عن (( التضمين ) )في شعره (وهذا التضمين في شعره أكثر من أن نمثّل له، والمهمّ أنه يدل على انفكاك التعبير عنده، فهو لا يتمّه في البيت، بل يتمه في بيت ثانٍ، أو أبيات، ولعل ذلك هو سبب صيغة التفضيل التي اشتهر بها في شعره، على شاكلة قوله: الأبيات الثلاثة ...) (42) . والباحث يعتقد أن هذه الأبيات الثلاثة - تحديدًا - لا تصلح لأن تكون شاهدًا دالاًّ على انفكاك التعبير لدى الأعشى، في جملة تضميناته، أو استداراته؛ لما تتصف به صياغتها من تكثيف، وربط، وإحكام.

يُنبت الأعشى روضته الشعرية في مكان من الأرض غليظ مرتفع عزيز، ربما كان ربوة، أو جبيلًا غليظًا تحصنت فيه، لوعورته، وامتناعه، فسلمت من الأذى، فلا أيدي الناس تعبث بها، ولا أقدام الرعاء تطؤها، ولا الأنعام ترعاها وتفسدها. وظلت بكرًا مصونًا لم تُبتذل، ولم تُهتك عفتها، ولم يُلوَّث نقاؤها .

وروضة الأعشى الخصبة، الوفيرة العشب، الشديدة الخضرة، التامة النبت، المتنوعة الزهر ثمرة يانعة من ثمرات التراحم بين السماء والأرض، وسخاء السحاب بالمطر الغزير الذي تتابع دفقه على الربا، ونتاح طيّب للتلاقح والتخاصب بين الثرى والماء الزلال، ووليد تام الخلق، حسن المنظر، أنيق المظهر، بهيّ الطلعة، جميل المحيّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت