والباحث يعتقد أن مسمّيات الذباب (العَنْتَرَ، والعُنْتَر، والعَنْتَرَة ) ، وكثيرًا من صفاته وخصاله الآنفة الذكر كانت مستقرّة في نفس الشاعر، وماثلة في وعيه حين أنتجت مخيلته الشعرية لوحة الروضة، وأبدعت مشهد الذباب أو صورته في إطارها، وأن عنترة وجد بعض ذاته - في لحظة إبداعية - أو ذاته كلّها بكثير من صفاتها في هذا الذباب (العنترة) ؛ من ضخامة نسبية، وشجاعة وجسارة، وجرأة في السلوك، وعزم، ونشاط وحيوية، وإلحاح على الحاجة وقدرة على إدراكها، ودكنة في اللون ضاربة إلى سواد، أو سواد، بعد ذلك كله وقبله؛ هذا اللون الذي ألحّ عليه الشاعر كثيرًا في قصيدته - المعلقة التي إليها ينتمي مشهد الذباب، ولوحة الروضة، فبرز بروزًا لافتًا للنظر مثيرًا للاهتمام، في مواضع متفرقة من القصيدة، وسرى في طياتها، وصبغ كثيرًا من صورها بمداده؛ منها صور: الأثافي السود، والليل المظلم، والإبل السود، والغراب الأسحم، والفرس الأدهم، والنعام، والظليم، والأعجميّ الحبشيّ، والعبد الأسود، والقطران (25) . وهو اللون الذي سبب له عقدة نفسية، وأشعره بالعبودية، وقيّده بقيود اجتماعية تمنّى - كثيرًا - تحطيمها وتجاوزها إلى رحاب الحرية، يحيا حرًّا طليقًا كهذا الذباب - العنترة - المعادل الفني الذي يسعد بحريته، ويسرح، ويمرح، وينعم بحياة كريمة جميلة آمنة، مثّلتها الروضة - المعادل الفني لعبلة.