فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 17 من 40

سيحاول الباحث توضيح الأمر وتفسيره، قدر المتاح، وتبيّن ما يمكن من الدوافع والأسباب التي دفعت عنترة إلى هذا البديع المخترع، وجعلته يبرع في تصويره الذباب، ويتفوق على غيره من الشعراء ؛ تشبيهًا، ومعنًى في هذا المجال .

الذباب المُسْتَدَلُّ عليه في الصورة هو ذباب الروضة، وهو ذباب ضخم؛ ولذا كان طنينه عاليًا مسموعًا، ولونه أخضر، أو أزرق، وهما لونان داكنان، وقد يضربان إلى السواد؛ لاشتداد الخضرة أو الزرقة، يعيش حياته في الرياض فلا يبرحها. وفي لسان العرب: يُسمى الذباب الضخم الكبير الأزرق أو الأخضر (العَنْتَرَ) ، وقد سمّي كذلك لصوته. وقيل: العَنْتَرُ، والعُنْتَرُ، والعَنْتَرَةُ كلّه الذباب، وفي خبرٍ أن أبا بكر قال لابنه عبد الرحمن: ياعنترُ، وهو الذباب شبهه به تصغيرًا له وتحقيرًا، أو لشدّة أذاه (20) . وذلك كلّه لايلغي، ولايغيّب معنى الشجاعة في الحرب، ومعنى السلوك الجريء في الشدائد للفظة (العَنْتَرة ) ، ومعنى الشجاع للفظة (العَنْتَر) (21) . ومن صفات الذباب المذكورة المعروفة أنه لجوج في مبتغاه، وملحاح على إدراك حاجته، وأنه شجاع جريء، لا يخاف أحدًا، ولا يهابه مهما عظم، وقوي (22) . وقد ضرب المثل بجرأته، فقيل: (أجْرأُ من ذُباب) (23) . وذباب الرياض كائن مفعم بالنشاط والحيوية، ووجوده في الرياض وغناؤه فيها دليل على الخصب والحياة النديّة، والفرح والسعادة، بل كان وجوده يعني الحياة ويقظتها كما يقول الدكتور القيسي (24) ، ودأبه، وحركته المطلقة المستمرة التي لا يحدّها حدّ، ولا يعوقها عائق، ولا يقيدها قيد تجسيد للعزم والإرادة القوية، والحرية والانطلاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت