فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 16 من 40

صورة الذباب، تشبيهًا ومعنًى، أعجبت الجاحظ إعجابًا شديدًا، وربما أثارت في نفسه الدهشة؛ لما تقوم عليه من تشبيه مصيب تام، ومعنى غريب عجيب وشريف كريم، ووصف مجيد (13) . وأعجبت - أيضًا - نقادًا آخرين جاؤوا بعده. وعدّ الجاحظ والنقاد التالون التشبيه، والمعنى في البيتين معًا، وخاصة الثاني منهما بديعًا مخترعًا، لم يسبق عنترة إليه أحد، ولم يوفق أحد في استعارته منه، ولم يقدر على مجاراته فيه أو تقليده أحد (14) . ولذلك عدّ ابن رشيق التشبيه المخترع هذا من التشبيهات العُقْم (15) . وعدّ حازم القرطاجني المعنى البديع هذا من المعاني العُقْم ؛ لأنها لا تلقح، ولا يُقتدح منها ما يجري مجراها من المعاني (16) .

ولكن الجاحظ ومن تبعه من النقاد في هذا الشأن، لم يفسروا الأمر تفسيرًا دقيقًا - في رأي الباحث - ولم يبحثوا عن بواعث السبق في هذا البديع المخترَع ؛ معنًى، وتشبيهًا، ولم يتبينوا الأسباب التي جعلت عنترة يتفوق على غيره من الشعراء، ويبذهم جميعًا في هذا البديع المخترع، ويتفرد فيه ؛ مع أن غير قليل من الشعراء الذين تقدّموه زمنًا، أو تلوه عُنوا بوصف الذباب، وتصويره، وخلعوا عليه، كما فعل عنترة، صفات بشرية، وغير بشرية من شأنها تجميل صورته القبيحة المكوّنة في الأذهان، وإعلاء مقامه الوضيع بين الكائنات، والارتقاء به إلى منزلة غير بغيضة، ولا تكون موضع احتقار وازدراء ؛ ومن أمثلة ذلك:

جعل المثقّب العبدي طنينه غناء وتغريد حمام شجيًّا، في قوله (17) :

وتسمعُ للذباب إذا تغنّى كتغريد الحمام على الوُكونِ

وتشبيه زهير بن أبي سلمى الذباب بشارب الخمر، وصوت الذباب بترنّم السكران إذا غنّى، في قوله (18) :

ومُسْتَأْسِدٍ يَندى كأن ذبابه أخو الخمر هاجتْ حزنَه فتذكَّرا

واستعارة ابن مقبل صهيل الخيل للذباب، في تسميته أصوات الذِّبّان وغنّة طيرانها في العشب صواهل، وذلك في قوله (19) :

كأن صواهل ذِبَّانِه قبيل الصباحِ صهيلُ الحُصُنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت