إنه يغني فيها، ويهزج انتشاء وسعادة، ويترنّم بطنينه الذي حوّله الشاعر لحنًا فرحًا عذبًا يتخلل حنايا المكان، ويسري فيها، ويمتد في فضاء الهدوء والسكون، ويتردد فيه. وكي يخلع الشاعر على ذبابه صفات إنسانية راح يشبه طنينه الذي يردده بغناء الشارب النشوان وترنّمه، وبذا يغدو الذباب كائنًا بشريًا يتحلّى بحس لطيف، وذوق رفيع، ينفعل، ويتأثر، ويفصح عن مشاعره باقتدار. بل إن طنين الذباب يتحول تغريدًا في البيت الأخير، وسواء أكان هذا التغريد طربًا وتطريبًا ومدًّا للصوت في الغناء لدى الإنسان، أم غناء البلابل العذب الشجي وتطريبها، فإن عنترة، بهذه الاستعارة اللطيفة والطريفة، يصرّ على الارتقاء بهذا الطنين حتى يدرك أعلى مراتب الرقة والعذوبة، ويلحّ على السمّو بالذباب الطرب، الهزج، المغني، الشارب، المترنم، المغرد حتى يبلغ صورة الكائن البشري.
ويستمر الشاعر في التشخيص، بخلع الصفات الإنسانية وإسباغ الخصال والأفعال البشرية على ذبابه؛ فيشبهه، وهو يصقل ذراعيه، ويحددهما بحك إحداهما بالأخرى، حين ينكبّ على النبت فرحًا سعيدًا يرتشف منه ما لذّ له وطاب، بإنسان أجذم - مقطوع الكفّين ينكبّ على الزناد محاولًا قدح النار، فتتكرر محاولاته، ويطول به الوقت حتى يتمكن من إيقاد النار في الزناد - العود.
إن كل التفصيلات والجزئيات المتفرعة من مشهد الذباب، وكل الصور البسيطة؛ التشبيهية، والاستعارية، والسردية اللغوية المتنوعة، تضفي على ذباب الروضة صفات إنسانية تجمّل صورته البشعة المكروهة التي ارتسمت في الأذهان واستقرت، على مرّ العصور والأجيال. وقد عمد عنترة إلى ذلك عمدًا ؛ لأنه يبغي رسم صورة للذباب رمزية، تستوعب دلالات نفسية معينة، وتنطوي على بعد إنساني عميق. ولقد تمّ له ذلك؛ إذ تآزرت معاني الصور الفرعية ودلالاتها المتنوعة وتآلفت، لتكوّن صورة مركبة موحية، وتشكل صورة كلّيّة رمزية، ستتضح ملامحها فيما يأتي من الحديث.