هذا كله يعني للباحث أن ذباب الروضة - العنترة، هو المعادل الفني للشاعر عنترة، وأنه رمز شعريّ - هنا - ينفّس به، وبفعله عن رغبات مكبوتة في اللاشعور، ويحقق به فنيًا ما لم يقدر هو على تحقيقه في الواقع. وهذا الرمز يختزن معاني إنسانية محددة، وينطوي على دلالات نفسية معينة تتصل كلها بعنترة الإنسان؛ ومن شأن ذلك أن يخلق علاقة دلالية خاصة، بين عنترة الشاعر والعنترة الذباب هذا، وأن يدفع عنترة إلى خلع شيء من ذاته على الذباب، وأن يتوحّد معه نفسيًا وفنيًا، ويتحد به روحيًا، فيتحول هذا المخلوق البغيض المزعج كائنًا بشريًا عذب الصوت، حميد الفعل، لطيف الحركة.
تلك البواعث شحذت - من غير شك - موهبة عنترة الشعرية، فكان ذاك البديع المخترع؛ معنًى وتشبيهًا في صورة الذباب، وكان ذاك التفوق فيه، والتفرّد به؛ وغياب مثل ذلك لدى الشعراء الآخرين أدى إلى عدم القدرة على الإتيان بمثله، أو المجاراة فيه، أو تقليده.