الصفحة 15 من 19

وممَّا تقدَّم يظهر أنَّ الخطاب الأدبيَّ خطابٌ لغويٌّ تواصليٌّ حسب فهم (ياكبسون) تهيمن فيه الوظيفة الشِّعريَّة من دون غياب الوظيفة الإبلاغيَّة الأساسيَّة للُّغة، وهذه الهيمنة لا تعني -مطلقًا- إهمال باقي الوظائف في أثناء الدَّرس والتَّحليل، فهيمنة الوظيفة المرجعيَّة لا تلغي الإحالة إنَّما تجعلها متوارية خلف الوظيفة المهيمنة [1] ممَّا يؤدِّي إلى غموض ينجم عن مفارقة الدَّوالّ، وعن تفاعل عناصر اللُّغة العضويّ الَّذي تبتعد بموجبه الألفاظ

عن الدِّلالة الوضعيَّة الأولى (الدِّلالة التَّصريحيَّة) ؛ لتقترب من الدِّلالة الثَّانية (الدِّلالة الإيحائيَّة) ، حيث يتخفَّى الخطاب حسب فهم (جان كوهن) على صعيد الدِّلالة التَّصريحيَّة؛ لينبعث من جديد على صعيد الدِّلالة الإيحائيَّة. [2]

يبيَّن (كوهن) أيضًا ارتباط الوظيفة التَّواصليَّة بالخطاب الشِّعريِّ؛ فيقول:"لا يمكن الحديث عن الخطاب ما لم يكن هناك تواصل، ولكي يكون الشِّعر شعرًا ينبغي له أن يكون مفهومًا من طرف ذلك الَّذي يوجَّه إليه". [3]

فالُّلغة من منظور (كوهن) الوظيفيّ أداة تواصل، غير أنَّ الشِّعر يسعى دائمًا إلى عرقلة هذه الوظيفة بطرق متعدِّدة؛ منها ما يتمُّ من خروقات تصيب متن اللُّغة فتحيلها إلى مرحلة أولى من عمليَّة هجرة الألفاظ من دلالتها الأولى إلى الثَّانية، الَّتي ينبغي لها بعدئذٍ أن تتلوها مرحلة أخرى هي مرحلة تقليصيَّة، وهي مرحلة تعيد الصُّورة إلى حضرة اللُّغة. [4]

(1) . ينظر: المرجع السَّابق، صـ (51) .

(2) . ينظر: كوهن، جان - بنية اللُّغة الشِّعريَّة، ترجمة: محمَّد الولي ومحمَّد العمريّ، المعرفة الأدبيَّة، دار توبقال للنشر، ط1، 1986م، صـ (196) .

(3) . ينظر: المرجع السَّابق، صـ (173) .

(4) . ينظر:: العمري، محمَّد - تحليل الخطاب الشِّعريّ، دار العالميَّة للكتاب، الدَّار البيضاء، المغرب، 1990م، صـ (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت