كان أبو حيان واسع الاطلاع على أشعار العرب، ومهتمًا بحفظها وروايتها، ومعتمدًا عليها في الاستشهاد، وتثبيت الأحكام النحوية، ونلاحظ في شواهده الشعرية أنه لم يتوسع في دائرة الاستشهاد، بل جعل شواهده مقصورة على شعراء الطبقة الأولى والثانية والثالثة، وبهذا يكون قد أخرج الشعراء المحدثين من دائرة الاستشهاد والاحتجاج، وأن ما ذكره من أبيات لشعراء محدثين كأبي تمام والمتنبي وبشار وغيرهم، لا يحط من موقفه في الاحتجاج، لأن هذه الأبيات لم ترتفع عنده إلى مرتبة الاحتجاج الذي حظي به شعراء الطبقات الثلاث، إنما كان ذكره لها من باب الاستئناس، أو زيادة في إيضاح معنى. كما أنه لم يبن عليها قاعدة نحوية، وقد صرّح غير مرة بأنه لا يستشهد بشعر المولدين وإن كان يثق بقائل ذلك الشعر (80) .
*رأي أبي حيان في العلة والعامل والسماع والقياس:
1-رأيه في العلة: أشار أبو حيان في مقدمة الارتشاف إلى أنه يريد أن يقرب الأحكام النحوية عارية من التدليل والتعليل. ورغبته في تجريد الأحكام النحوية من التعليل أمر واضح في كتابه. فقد دعا غير مرة إلى إلغاء هذه التعاليل التي لا تجدي نفعًا، وأخذ على النحاة إيغالهم في تعليل الأحكام النحوية، وإغفالهم الأحكام والمسائل النحوية التي تستند إلى سماع صحيح، يقول"والنحويون مولعون بكثرة التعليل، ولو كانوا يضعون مكان التعاليل أحكامًا نحوية مستندة للسماع الصحيح لكان أجدى وأنفع، وكثيرًا ما نطالع أوراقًا في تعليل الحكم الواحد، ومعارضات ومناقشات، ورد بعضهم على بعض في ذلك، وتنقيحات على زعمهم في الحدود، خصوصًا ما صنفه متأخرو المشارقة على مقدمة ابن الحاجب فنسأم من ذلك، ولا يحصل في أيدينا شيء من العلم (81) ."
ومما يوضح لنا موقف أبي حيان من التعليل هو ما صرّح به في المسائل الآتية: