استقبل صدام حسين جون كيلي بعد ظهر الثاني عشر من فبراير 1990 . وكانت المقابلة هي الأولى مع أحد الرسميين الأميركيين منذ زمن بعيد . وبادر المبعوث الأميركي مضيفة ، خلال تبادل التحيات ، بقوله:"انتم قوة اعتدال في المنطقة وتتمنى الولايات المتحدة إقامة أوثق العلاقات مع العراق".
لقد سرّ صدام حسين بهذا الاطراء وغمره شعور بالفخر، كما قال لدى سماعه ذلك ، وقام بعد ساعات من المقابلة بنقل ما دار فيها إلى عدد من زعماء الدول العربية وكان أول من اتصل به هاتفيًا هو الملك الأردني حسين .
وبهذا أبلغ كيلي الرسالة الأولى من سلسلة طويلة من الرسائل المبهمة والمتناقضة التي سوف تكون لها نتائج خطيرة .
وفي 15 فبراير وبعد المقابلة بثلاثة أيام بثت اذاعة"صوت أميركا"برنامجًا قالت إنه يعكس وجهة نظر الحكومة الأميركية وأهابت فيه بالرأي العام العالمي أن يتحرك ضد الدكتاتوريين الذين يحكمون في مختلف اقطار العالم . وذكرت العراق وأدانت صدام حسين بوصفه أسوأ دكتاتور في العالم . فغضب الرئيس العراقي غضبًا شديدًا . ولم ينفع معه الاعتذار الذي قدمته واشنطن عبر سفارتها في بغداد . ورفض قبول القول بأن إذاعة"صوت أميركا"قد تعبر عن رأي يخالف الرأي الرسمي ، وإذ جاء هذا الحادث بعد أطراء كيلي عليه مباشرة فقد اتخذه صدام دليلًا على أن الأميركيين يقومون بلعبة مزدوجة .
ومما رسّخ قناعته هذه ، قيام وزارة الخارجية الأميركية ، يوم 21 فبراير بنشر تقرير عن حقوق الإنسان خصّت العراق بعدد من صفحاته تجاوز 12 صفحة وصفت فيها الحكومة العراقية بأنها أسوأ منتهك لحقوق الإنسان ، وأشارت إلى ممارسة هذه الحكومة المتكررة للتعذيب والاعدامات السريعة دون محاكمة .