وطَارَتْ فَتَاوَاهُ بِلا جَنَاحَيْنِ، وسَارَ بِها الرُّكْبَانُ بين المَشْرِقَيْنِ، صَاحِبُ الفُتْيا الوَاسِعَةِ، والتَّصَانِيْفِ النَّافِعَةِ، فَتَصَانِيْفُه في العَالَمِيْنَ دَائِرَةٌ، وكُتُبُه في الخَافِقِيْنَ سَائِرَةٌ مَا بَيْنَ تَألِيْفٍ مُفِيْدٍ، أو شَرْحٍ سَدِيْدٍ، أو تَعْلِيْقٍ مَجِيْدٍ ...!
( وكَانَ رَحِمَهُ الله عَالِمًا بَارِعًا في عُلُوْمٍ كَثِيْرَةٍ، ورَاسِخًا في فُنُوْنٍ شَهِيْرَةٍ، لاسِيَّما في مَذْهَبِ أبِي عَبْدِ الله الإمَامِ أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ الله(241) ، فَهُوَ إمَامُ الحَنَابِلَةِ في عَصْرِهِ، بَلْهَ عَالِمُهُم ومُدَرِّسُهُم في مِصْرِهِ، ونَاشِرُ المَذْهَبِ بِلا شِقَاقٍ، ومُحْي السُّنَّةِ في الأفَاقِ، وكَانَ حَسَنَ الكَلامِ في مَسَائِلِ الخِلافِ، وضَابِطًا لمَوَاقِعِ الائْتِلافِ، كَمَا لَهُ بِخَطِّ يَدِه كِتَابَاتٌ جِيَادٌ، ومُرَاسَلاتٌ وتَقْرِيْظَاتٌ فِرَادٌ؛ وفي لَفْظِهِ بَرَاءَةٌ صَرِيْحَةٌ، وفي خَطِّهِ رَدَاءةٌ مَلِيْحَةٌ!
( وقَدْ قِيْلَ في مِثْلِهِ ومِثَالِهِ:
اعْذُرْ أخَاكَ على رَدَاءَةِ خَطَّهِ واغْفِرْ رَدَاءَتَهُ لجَوْدَةِ ضَبْطِهِ
فالخَطُّ لَيْسَ يُرَادُ مِنْ تَعْظِيْمِهِ ونِظَامِهِ إلاَّ إقَامَةُ سِمْطِهِ
وإذَا أبَانَ عَنِ المَعَاني خَطُّهُ كَانَتْ مَلاحَتُهُ زِيَادَةَ شَرْطِهِ
( ولَهُ في المذْهَبِ تَخَارِيْجُ حَسَنةٌ، ولَهُ مَعَ المَذَاهِبِ تَرَاجِيْحُ بَسَنَةٌ، كَمَا جَمُلَ بِه المَذْهَبُ وَزَانَ، وبشُرُوْحِهِ ظَهَرَ وبَانَ، ولَهُ في المذْهَبِ تَحْقِيْقَاتٌ عَدِيْدَةٌ، وتَرْجِيْحَاتٌ سَدِيْدَةٌ .