وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان ، وقد أمرت بقتل مئة وخمسين من العمال لا يجوز قتلهم شرعا فعليك بالعفو عنهم ....
فطار الغضب بعقل السلطان من هذه الجرأة ولم يعد يبصر من أمامه وكاد يأمر بضرب عنق الشيخ والأمر بالقتل دائما على طرف لسانه ثم ضبط نفسه وأراد ردعه من غير قتله وقال له: إنك تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظيفتك ..وأعرض عنه وارتقب أن يكف الشيخ وينصرف ولكن الشيخ قال: بل أتعرض لأمر آخرتك وإنه من وظيفتي ...ومهما عشت فإنك ميت ومعروض على الله وواقف بين يديه للحساب فإن عفوت فلك النجاة وإلا فأمامك جهنم لا يعصمك منها ملكك ولا ينجيك سلطانك ...
أتدرون ماذا كان ...لقد ذل السلطان العظيم أمام الشيخ الضعيف وهانت القوة أمام الحق وخضع ملك الزمان أمام سطوة الشرع ولم يعد الشيخ هو الذي يتكلم بل أعظم موجود عرفته الدنيا: الإسلام ....
فعفا السلطان عنه جميعا وجالس المفتي ساعة يحدثه ويكرمه فلما قام ليخرج قال الشيخ ....تكلمت في أمر آخرتك ..وبقي لي كلام متعلق بالمروءة قال السلطان ماهو؟
قال: هؤلاء من خدم السلطان فهل يليق بعرض السلطنة أن يتكففوا الناس ؟
قال: لا .
قال فإعدهم إلى مناصبهم .
قال: نعم وإني لأعاقبهم على تقصيرهم
قال هذا جائز لأن التعذير مفوض شرعا إلى رأي السلطان ....ثم سلم وانصرف...
هذا المفتي هو علاء الدين على بن أحمد الجمالي الذي تولى التدريس والفتوى ستا وعشرين سنة على عهد السلطان بايزيد والسلطان سليم وابنه سليمان القانوني ...كان 'الما عاملا يمضي وقته في التلاوة والعبادة والدرس والفتوى وكان يحب العزلة فجعل مجلسه في غرفة مطلة على الطريق وأدلى منها زنبيلا (سلة) بحبل فمن كان له سؤال واستفتاء ألقى سؤاله في الزنبيل وحرك الحبل فأخذه وأجاب عليه وأدلى بالجواب ...فعرف بلقب (زنبيلي زاده علي أفندي)