والعامل الخامس في تكوينه صحبة العالم العظيم إمام الحرمين فقد لازمه مدة طويلة وأخذ منه وسار أولا على طريقتهُم استقل وشق لنفسه طريقة جديدة وفاق في المعقولات إمام الحرمين وهو لايزال إلى اليوم أكبر أئمة الفكر الإسلامي..ونحن نقرأ كتبه مستفيدين منها معجبين بها كما استفاد منها وأعجب بها رجال عصره ولقد سما العقل خلال هذه القرون الثمانية واتسع العلم ولكن الغزالي لا يزال في القرن الرابع عشر كما كان في القرن الخامس إماما يقتدى به وعبقريا لا نظير له.
حياة الغزالي يا سادة لها صفحتان هذه الصفحة العلمية والصفحة الصوفية.
لقد بقي في نفسه أثر من أستاذه الأول الرجل الصوفي الذي أوصى إليه به أبوه. وكان يتنازع قلبه التفكير العلمي الذي هو أثر من إمام الحرمين ، وهذا التأمل الصوفي ...ثم غلب عليه التصوف فاستقال فجأة من أستاذية الجامعة ورحل منقطعا للعبادة آخذا نفسه بالزهد والسهر وقلة الطعاموكانت أكثر إقامته في دمشق في الأموي في الغرفة التي يصعد فيها للمنارة الغريبة والزاوية التي عرفت فيما بعد بزاوية الغزالي وفيها ألف كتابه إحياء علوم الدين....
وقعت له في دمشق وقائع عجيبة ، جاءها متنكرا فنزل السميساطية ، وكان يقهر نفسه على تنظيف المراحيض إذلالا لها ويدخل المسجد بزي العواموكان مرة في المسجد وجاء رجل يسأل عن مسألة فدلوه على دكة العلماء والمفتين فلم يعرفوا جوابها فدعاه الغزالي وقال ما مسألتك قال: إن المفتين لم يعرفوها أتعرفها أنت قال: هاتها فأجابه الغزالي فعاد الرجل للمفتين وقال لهم أنتم لم تعرفوا جوابها وعرفه هذا الرجل العامي وخبرهم بما أجابه به فشدهوا وقاموا إليه وقالوا من أنت إن لك لشأنا واستحلفوه فخبرهم فاحتفلوا به وسألوه أن يجعل لهم من الغد مجلسا ، وبحثوا عليه في الغد فلم يعثروا عليه ....