نحن اليوم في نيسابور ، في معسكر الوزير العظيم نظالم الملك الذي كان يدير من هذا المعسكر في ضاحية نيسابو اكثر من نصف بلاد الإسلام وكان قصره حافلا أبدا بالعلماء ولكنه اليوم أحفل منه كل يوم ، لأنه يوم المباراة العامة ، وانتم تعرفون المباريات الرياضية لكم لا تعرفون المباريات العلمية والتي تسمى مناظرات ويجتمع لها الناس ويشرف عليها الأمراء ، وقد يكون منها ما هو قاصر على فن من الفنون كالمناظرات النحوية والكلامية والفقهية ، ومنها ما يجتمع على أكثر من فن ، أما مباراة البوم فعجيبة حقا ، لأنها مباراة في كل علم ، والمتبارون العلماء جميعا ضد رجل واحد يقدم المعسكر للمرة الأولى
شاب عمره ثلاث وثلاثون سنة ولكن اسمه قد ملأ الأسماع وتآليفه سارت كل مسير...
وكان اليوم الأول في فقه الشافعية .اصوله وفروعه واجتمع كبار الفقهاء وازدحم الناس يسمون وحضر نظالم الملك فأوردوا على هذا الشاب إرائب المسائل فأجاب عنها كلها بنظر دقيق واستخراج عجيب وأورد عليهم ما لم يستطيعوا له جوابا فأقروا له بالإمامة في المذهب وبايعوه على رئاسة المذهب في تلك الديار ..
ثم كان اليوم الثاني فناظر المتكلمين وأنت تعلمون أن هاتيك الحقبة كانت العصر الذهبي للكلام وأن علم الكلام كان يومئذ خلاصة الفلسفة والشريعة وكان المطلب الأعلى للعلماء وإن كان على أن أقرر هنا أن اسلوب القرآن في تقرير مسائل التوحيد هو الأسلوب الكامل الذي لا نحتاج معه إلى فلسفة أو كلام ..وكانت مناظرة هائلة استمرت ساعات وانتهت بالاقرار له بامامة المتكلمين.