هذه اللوحة التي أعرضها كما هي، لا أحب أن أفسدها بشرح أو تعليق:
ولما تراءت عند مرو منيّتي * * وخلَّ بها جسمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي: ارفعوني فإنني * * يقرّ لعيني أن سُهيلٌ بدا ليا 6
فيا صاحبي رحلي دنا الموتُ فانزلا * * برابية ؛ إني مقيم لياليا
أقيما علي اليوم أو بعض ليلة * * ولا تعجلاني؛ وقد تبيّن ما بيا
وقوما إذا ما استُلّ روحي وهيئا * * لي السَّدر والاكفان ثم ابكيا ليا 7
وخطّا بأطراف الأسنّة مَضْجَعي * * ورُدّا على عيني فضْلَ ردائيا
ولا تحسداني - بارك الله فيكما - * * من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجراني ببُردي إليكما * * فقد كنت قبل اليوم صعبًا قياديا
ويعلم أنه لن يجد من يقوم على قبره، ويشيد بذكره، فيرثي نفسه، ويكشف عن فعاله بمقاله:
وقد كنت عطّافًا إذا الخيل أدبرت * * سريعًا إلى الهَيْجا إلى من دعانيا
وقد كنت محمودًا لدى الزاد والقرى * * وعن شتمي ابن العم والجار وانيا
وقد كنت صبّارًا على القرن في الوغى * * ثقيلًا على الأعداء عَضْبًا لسانيا
ويعود إلى إتمام هذه اللوحة الرائعة، فيتصور مسيرة أصحابه وبقاءه، وحيدًا في هذه الفلاة:
غذاة غد يالَهْف نفسي على غد * * إذا أدلجوا عني وخُلّفت ثاويا
وأصبح مالي من طريف وتالد * * لغيري وكان المال بالأمس ماليا
ويسأل رفيقيه حاجة له هي آخر حاجاته من دنياه، أن يحملوا نعيه إلى أهله، إلى بئر الشبيك، حيث يزدحم بنات الحيّ، يملأن الجرار، ويستقين، فيصرخ، فيدعن ما هنّ فيه، ويلتفتن إليه، وتسمع زوجته، فيلقي إليها بوصاته، وما وصاته إلا أن تقف على القبور. علَّها تذكرها بقبره الضائع، حيث لا زائر ولا ذاكر:
وقوما على بئر الشُّبَيك فأسمعا * * بها الوحش والبيض الحسان الروانيا
بأنكما خَلّفتُماني بِقَفْرَةٍ * * تهيل عليّ الريحُ فيها السوافيا
ولا تنسيا عهدي خليليّ إنني * * تَقَطّعُ أوصالي وتبلى عظاميا