فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 70

لقد كان في أهل الغضى (لو دنا الغضا) *** مرار ولكن الغضى ليس دانيا

ويلوم نفسه ويعجب منها كيف سوّغت له أن يقبل بهذا النفي راضيًا مختارًا، ويعجب من أبويه كيف لم ينهياه، وما الذي جاء به إلى باب خراسان وقد كان نائيًا عنه:

ألم تراني بعت الضلالة بالهدى * * * وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا 2

لعمري لئن غالت خراسان هامتي * * * لقد كنت عن بابي خراسان نائيا

فلله درّي يوم أترك طائعًا * * بنيّ بأعلى الرقمتين وماليا 3

ودرّ الظباء السانحات عشية * * * يخبِّرن أني هالك من ورائيا

ودرّ كبيريّ اللذين كلاهما * * * عليّ شفيق ناصح لو نهانيا

واسمعوه كيف يفتش عمن يبكي عليه فلا يجد أحدًا، لا يجد من يبكيه إلا سيفه وفرسه، وليس ينفع الميت أن يذكره ذاكر إلا ذاكرًا بدعاء أو صدقه، ولا يضره أن ينساه الناس، وما حفلات التأبين للميت ولكن للأحياء يصعدون على قبر الميت ليقولوا للناس انظروا إلينا، واسمعوا بياننا، وصفقوا لنا، ولقد صدق سبنسر إذ قال: كلنا يبكي في المآتم وكل يبكي على ميته.

ليس ينفع بكاء ولا نواح ولكنها غريزة التمسك بالحياة والاستكثار منها.

تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد * * * سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا 4

وأشقر خنذيذ يجرَّ عنانه * * * إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا 5

وأرجو أن تتجاوزوا عن كلمة (خنذيذ) التي ترونها غريبة ولم تكن غريبة أيامه. وانظروا إلى جمال الصورة وروعتها. هذا الحصان يتلفت يمنة ويسرة ويدور وينعطف ويفتش عن صاحبه فلا يلقاه، فينسى الطعام والشراب، حتى يبرّح به العطش ولا يجد من يسقيه، فيجر عنانه (انتبهوا إلى دقة الوصف في جر العنان أي الرسن) إلى الماء.

لو أن مصورًا صور معنى هذا البيت لكان لوحة من لوحات العبقرية، وما أكثر ما في هذه القصيدة من صور.

وهاكم هذه اللوحة التي بلغت من الروعة أبعد الغايات، والتي تذيب القلوب، فتسيلها دموعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت