والذي يظهر من هذا النص الخطير أن للكرامية في خراسان ما زال لهم أتباع وأصحاب في زمن المؤلف الأستوائي، ونحن نعرف أن خراسان كانت مركزا رئيسيا لمذهب الكرامية، إذ أن مؤسس المذهب أبا عبد الله محمد بن كرام السجستاني ورد نيسابور ومعه قوم، في ولاية محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر (248ـ259هـ) ، وتبعه على مذهبه"من أهل سواد نيسابور شرذمة مِن أكَرَة القرى والدُّهم" (1) . واستمر المذهب من ذلك العهد في خراسان إلى زمن المقدسي (ت. 380هـ) ، حيث يقول"الغالب على عوامّها غير الفريقين ـ أي الحنفية والشافعية ـ، والشيعة والكرامية أصحاب شقين" (2) ، بل إلى أوائل القرن السابع الهجري على الأقل (3) ، وكان لهم مشايخ يتولون رسالة المذهب. فالكرامية"استطاعت أن تكوِّن من النفوذ ما خشيه الناس والسادة من أهل خراسان وغير خراسان من بلاد الفرس المجاورة لها. وقد وصلت الكرامية إلى أوج عظمتها، وبصيغة أخرى وصلت الكرامية إلى عصرها الذهبي ابتداء من القرن الرابع الهجري، على يد إسحاق بن محمش (ت. 383هـ) ، وابنه أبي بكر محمد (ت. 421هـ) (4) ، ثم من بعد ذلك على يد محمد بن الهيصم (ت. بعد 488هـ) ، وقد ساعد على نصرة مذهبهم وارتفاع شأنهم تشجيع السلطان محمود بن سبكتكين وابنه محمد لهم. وقد كان لمجد الدين عبد المجيد المعروف بابن القدوة ـ وهو كرامي هيصمي ـ نفوذ كبير في القرن السادس"
(1) الفرق بين الفرق ص 131. وفي التبصير ص 65:"فاغتر بِما كان يُرِيه من زهده جماعةٌ من أهل السواد، فدعاهم إلى بدعه، وأفشى فيهم ضلالاته، واتبع بِها قوم من أتباعه".
(2) أحسن التقاسيم ص 316، 323 ط. ليدن .
(3) انظر: التجسيم عند المسلمين ص 74ـ75.
(4) وفي ترجمته في المنتخب ص 22:"زعيم أصحاب أبي عبد الله ورئيسهم، صاحب القول في وقته عند السلطان، بسيط الجاه، كان مقرِّبا عند الأمير يمين الدولة محمود، دعا إلى السنة... وظهرت به دولة الكرامية... وكان في الارتفاع إلى أن توفي".