الصفحة 29 من 80

الدليل الحادي عشر:

حديث: « الحجر الأسود يمين الله في الأرض » أى: معه وعنده الله .. معه الله يرى من يستلمه ويُقبله ويشير إليه ، و حديث: « إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن » .

مناقشة الدليل:

أما الحديث الأول ، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت ، والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن صافحه و قبَّله فكأنما صافح الله و قبل يمينه . و من تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره ، فإنه قال: يمين الله في الأرض، فقيده بقوله: في الأرض ، و لم يطلق ، فيقول: يمين الله ، و حكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق . ثم قال: فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه . ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل وتكريم له، كما جرت العادة، والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس، بل لابد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين لهم في الحديث ما ينفى من التمثيل . وأما الحديث الثاني، فقوله: ( من اليمن ) يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذي قال فيهم: { مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [1] وقد روى أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء، فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله"أتاكم أهل اليمن أرقّ قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يماني، والحكمة يمانية".

(1) - المائدة الآية 54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت