وهناك من الخلف من سار على نهج السلف القويم وأدرك قيمة الزمن الذي يعيشه. فها هو الإمام حسن البنا -رحمه الله- يدرك قيمة الزمن، ويستغرب من أُناس يُضيّعون أوقاتهم دونما فائدة تُرجى، وفي ذلك يقول:
"ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حدّ البكاء. وكم كنا نعجب إذْ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليّون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون على أندية الفساد والإتلاف. فإذا سألتَ أحدهم عمّا يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة، قال لك: أقتل الوقت، وما درى هذا المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فإنما الوقت هو الحياة" [1] .
إلى غير ذلك من النماذج الرائعة [2] التي يظهر فيها حرص القوم على كل لحظةٍ من لحظات الزمن. ولا غرابة في ذلك، فإنهم ذاقوا طعم القرآن وحلاوته، فحرصوا على وقتهم. فحريٌّ بنا أن نقتدي بتلك الكوكبة، ونسير على خطاهم، ونعدّهم قدوةً لأبناء هذا العصر، الذين شُغل الكثير منهم باللهو والترف عن جلائل الأمور، والذين ضيعوا كثيرًا من أوقاتهم فيما لا يعود عليهم وعلى مجتمعاتهم بالفائدة والخير.
ثالثًا: عناية القرآن الكريم بالزمن
عُني القرآن الكريم بالزمن عنايةً فائقة، وجاءت عنايته بالزمن من وجوه، أهمها:
1.اعتبار الزمن من النعم العظيمة
(1) البنا، حسن: مجموعة الرسائل، ص169.
(2) للنظر في مزيد من الأمثلة لحال علمائنا في مراعاة أزمانهم، انظر كتاب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: قيمة الزمن عند العلماء، فقد جمع فيه الكثير من النماذج.