فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 49

"لقد رأيتُ خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويُسمّون ذلك التردد خدمة، ويطيلون الجلوس، ويُجرون فيه أحاديث الناس ومالا يعني، ويتخلله غيبة. وهذا شيءٌ يفعله في زماننا كثيرٌ من الناس، وربما طلبه المزور وتشوَّق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان. فلما رأيتُ أنَّ الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير، كرهتُ ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرتُ عليهم، وقعتْ وحشة لموضع قَطْع المألوف. وإن تقبلته منهم، ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصَّرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغًا. فجعلتُ من المستَعَدِّ للقائهم قَطْع الكاغد [1] ، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابُد منها، ولا تحتاج إلى فكرٍ وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي" [2] .

وإذا علمنا أن ذلك مبلغ حرصه على الزمن، والإفادة من كلّ جزء منه في القراءة والتصنيف، لم نستغرب قوله:"وإني أُخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيتُ كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز ... ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، مالا يعرفه من لم يطالع، فصرت استزري ما الناس فيه، واحتقر همم الطلاب، ولله الحمد" [3] .

(1) الكاغد: هو القرطاس أو الورق. انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج1، ص333.

(2) ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص ص (184-185) .

(3) المرجع السابق، ص ص (337-338) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت