وكان الواحد منهم يحفظ كل لحظة من زمنه حتى في حال النزاع. نُقل في ذلك عن ثابت البُناني أنه قال: ذهبتُ أُلقِّن أبي، فقال: يابني دعني؛ فإني في وِرديَ السادس [1] . كما يروي الفقيه أبو الحسن الولوالجي، أنه دخل على أبي الريحان البيروني، وقدْ حَشْرَجَ نَفَسُه، وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يومًا حساب الجدّات الفاسدات [2] ؟ فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا أُودِّع الدنيا وأنا عالمٌ بهذه المسألة، ألا يكون خيرًا من أن أخلّيها وأنا جاهلٌ بها؟ فأعدتُ ذلك عليه، فحفظ، وعلّمني ما وعد، وخرجتُ من عنده، وبينما أنا في الطريق سمعتُ الصراخ عليه [3] .
ولقد كان أمثال هؤلاء يحسنون المحافظة على كلّ لحظة من وقتهم، حتى أنّ أحدهم كان يستحي من سواد الليل وظلمته، إذا مرت عليه ليالٍ وأيام لم يَقم فيها لله ركعتين. وفي ذلك يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:"أدركتُ أقوامًا يستحون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظك من الآخرة" [4] .
وهاهو الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- يصف لنا حال الناس كيف يضيعون أزمانهم في الزيارات والحديث الذي لا طائل من ورائه، ويبين لنا كيف كان يصنع إذا زاره بعض البطّالين لئلا يذهب الزمن فارغًا دون فائدة ترجى، فيقول رحمه الله:
(1) انظر الخبر في: أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص322.
(2) الجّدة الفاسدة: مصطلح في علم الفرائض، ويراد به الجدَّة التي تكون من قِبَل الأم. انظر: المصري، رفيق: علم الفرائض والمواريث، ص178.
(3) انظر القصة في: الحموي، ياقوت: معجم الأدباء، ج5، ص ص (123-124) .
(4) ابن الجوزي: صفة الصفوة، ج2، ص241.