فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 49

ومع أنّ الزمن على هذه الدرجة من الأهمية، إلا أنه ينقضي بسرعة، ويسهل ضياعه، فهو يمر مرّ السحاب، ويجري جريَ الريح، سواءً أكان زمن مسرّةٍ وفرح، أم زمن اكتئاب وترح، وإن كانت أيام السرور تمر أسرع، وأيام الهموم تسير ببطء وتثاقل، لا في الحقيقة ولكن في شعور صاحبها. وفي ذلك يقول الشاعر:

والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظهِ وأراه أسهل ما عليك يضيعُ [1]

يقول ابن القيم في الحديث عن منزلة الغيرة:"ومنها [2] الغيرة على وقت فات، فإن الوقت أبيّ الجانب، بطيء الرجوع، فالوقت أعز شيءٍ على العابد، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك [3] ، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة، لأنَّ الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص ... فالوقت منقضٍ بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته، وعَظُم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت، مقدار ما أضاع، فطلب الرُّجعى، فحيل بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت، وكيف يُردُّ الأمس في اليوم الجديد ؟!" [4] .

وقد كان السلف الصالح، ومن سار على نهجهم من الخلف، أحرص النّاس على كسب الزمن، والإفادة منه في الخير، فقد كانوا ينافسون الزمان، يُسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، حرصًا منهم على الزمن، وعلى ألا يذهب منهم هدرًا. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، نذكر فيما يلي بعضًا منها:

نُقل عن عامر بن عبد قيس أنَّ رجلًا قال له: كلِّمني، فقال له: أمسك الشمس [5] . يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك، فإن الزمن دائب المضيّ، لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن استدراكها، لأنَّ لكل زمن ما يملأه من العمل.

(1) البيت للوزير الصالح يحيى بن هُبيرة، وقد ذُكر في ترجمته. انظر: ابن رجب الحنبلي: الذيل على طبقات الحنابلة، ج4، ص236.

(2) أي من درجات الغيرة.

(3) أي بدون عبادة.

(4) ابن القيم: مدارج السالكين، ج2، ص ص (840-841) .

(5) انظر الخبر في: ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت