أما الحكمة من تخصيص وقت الأسحار بالاستغفار، فهي أنَّ هذا الوقت هو وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية، ذلك أن وقت السحر هو أطيب أوقات النوم، وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة في التوجه إلى الله وافرة، فيكون الدعاء في هذا الوقت أقرب للإجابة، والذكر والاستغفار أعظم ثوابًا [1] .
ويكون سبحانه في هذا الوقت من الليل قريب من عباده، كما دل عليه الحديث الصحيح: «إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يُعطَى، هل من داعٍ يُستجاب له، هل من مستغفرٍ يُغفر له، حتى ينفجر الصبح» [2] .
فالاستغفار في هذه الفترة الزمنية الفاضلة مِنَّة من الله سبحانه وتعالى، لا يفقهها إلا من ذاقها، وشعر بها في خلجات نفسه، فالتقت روحه مع خالق السماوات والأرض.
"والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالًا رفافة ندّية عميقة، ولفظة (الأسحار) بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيْل الفجر، الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن، وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة، فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار، ألقت تلك الظِلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء، وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ الكون وبارئ الإنسان" [3] .
خاتمة:
بعد هذه الجولة مع"قيمة الزمن في القرآن الكريم"، فإنه يجدر بنا أنْ نسجّل أهم النتائج التي تم التوصل إليها:
1.الزمن ذو قيمة عظيمة، فهو أثمن وأنفس ما يملك الإنسان، لأن أعزّ شيءٍ لدى الإنسان وهو عمره وحياته، ما هو في الحقيقة إلا زمن.
(1) انظر: الرازي: التفسير الكبير، ج3، ص167. البرسوي: روح البيان، ج2، ص11. خان، صديق: فتح البيان، ج2، ص47.
(2) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب رقم 24، حديث رقم 758، ج1، ص439.
(3) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج1، ص376.