فالمراد بالشهر الحرام في هاتين الآيتين، الأشهر الحرم الأربعة، إلا أنه عبَّر عنها بلفظ الواحد؛ لأنه ذهب بها مذهب الجنس [1] .
ووردت آيتان يبين سبب نزولهما أنهما تدلان على أحد هذه الأشهر الأربعة، وهما:
-قوله تعالى: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } [2] ،فهي جاءت لتدل على شهر ذي القعدة الذي مُنع المسلمون فيه من دخول مكة، ولكنهم عادوا في العام المقبل، وفي نفس هذا الشهر [3] .
-وقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } [4] وهذه نزلت حين قَتَلَ أحدُ المسلمين رجلًا من المشركين في شهر رجب [5] .
وهاتان الآيتان وإن جاءتا للدلالة على شهرٍ معين من الأشهر الحرم، نزلت فيه الآية، إلا أنّ مدلولهما ينسحب على باقي الأشهر الحرم الأخرى.
ثالثًا: شهر رمضان
لم يرد في القرآن الكريم تصريح باسم أي شهر من شهور السنة، سوى شهر رمضان؛ وذلك في سورة البقرة؛ في قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [6] .
وهذا الشهر تميز على غيره باختصاصه بعبادة جليلة، هي عبادة الصوم. ولعلَّ من الحكم في ذلك هي أنَّ هذا الشهر قد شرّفه الله بنزول القرآن، وفيه فاضت على البشرية هداية الرحمن، ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء برسالةٍ هي خاتمة الرسالات.
(1) الرازي: التفسير الكبير، ج4، 440. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص325.
(2) سورة البقرة: الآية 194.
(3) الواحدي: أسباب النزول، ص 43. الزمخشري: الكشاف، ج1، ص119.
(4) سورة البقرة: الآية 217.
(5) الواحدي: أسباب النزول، ص ص (51-52) . ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1، ص271.
(6) سورة البقرة: الآية 185.