أمَّا القول بأنها سُميت كذلك لتحريم القتال فيها [1] ، مصداقًا لقوله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [2] فهذا منسوخ، لأنَّ تحريم القتال فيها، إنما كان في أول الإسلام، إلا أن يُقاتَل المسلمون، ثم أذن الله تعالى في قتال المشركين في جميع الأوقات، فقال: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } [3] . وبقيت حرمة الأشهر الحرم في تضعيف الأجور والأوزار فيهن، فقد خص الله تعالى هذه الأشهر بزيادة المنع فيهن عن الظلم [4] . ولذلك فقد غلّظ الإمام الشافعي -رحمه الله- في دية من قتل خطأً في الأشهر الحرم [5] .
وعلى ذلك فإن قوله: { فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } عائدٌ على الأربعة الحرم، وليس على الإثنيْ عشر شهرًا، لأنَّه أقرب مذكور، ولأن هذا هو مدلول الضمير (فيهنّ) في اللغة العربية.
وفي اختصاص الأشهر الحرم بالذكر هنا تشريف لها. وفي خصها بالنهي عن الظلم، مع أنه منهيٌ عنه في كل زمان، مزيدٌ من التشريف [6] .
وجاء ذكر الأشهر الحرم في القرآن الكريم بصيغة المفرد الدال على الجنس؛ فقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } [7] ، وقال: { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ } [8] .
(1) انظر: المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة. حجازي، محمد: التفسير الواضح، ج10، ص49.
(2) سورة التوبة: الآية 5.
(3) سورة التوبة: الآية 36.
(4) البيهقي: فضائل الأوقات، ص86.
(5) انظر: الشافعي: الأم، ج6، ص147. الحصني: كفاية الأخيار، ص604.
(6) الرازي: التفسير الكبير، ج6، ص41. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص135 .
(7) سورة المائدة: الآية 2.
(8) سورة المائدة: الآية 97.