وهناك ملاحظة أخرى حَريّ بنا أن نقف عندها، وهي: أنَّ القسم بالنهار في سورة الليل، جاء بعد القسم بالليل: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } [1] ، بينما في سورة الشمس، جاء القسم بالنهار أولًا: { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } [2] ، فما الحكمة من ذلك؟
يستحيل بأيّ حال أن يأتيَ حرف واحد في هذا الكتاب المعجز، في غير موقعه اللائق به، وإنه ليُلمس في هذا التقديم والتأخير لطيفة، هي من بدائع هذا القرآن العظيم، وهي: أنَّ سورة الليل نزلت قبل سورة الشمس بمدَّة؛ حيث كان الكفر مُخيمًا على الناس إلا القليل منهم، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي، فناسب تلك الحالة، تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار [3] .
كما يُلحظ في هذا الموضع، أنَّ القسم بالليل في وقت غشيانه، جيء فيه بصيغة المضارع؛ وذلك لأنه يغشى شيئًا فشيئًا. أما النهار فإنَّه جيء فيه بصيغة الماضي؛ وذلك لأنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى مرةً واحدة [4] .
سابعًا: القسم بالليل
أمَّا الليل فقد أقسم الله تعالى به في عدة مواضع، وكان القسم به مقرونًا بعدة أحوال، وذلك على النحو الآتي:
1.القَسمُ بالليل في حالة إدباره. قال تعالى: { وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } [5] .
والدُّبُر والدُّبْر في اللغة نقيض القبل، ودبر كل شيء عقبة ومؤخره [6] . وعليه فإنَّ إدبار الليل يكون مقابل إقباله، وقوله:"إذ أدبر"يعني أنَّ الليل انقلب راجعًا من حيث جاء؛ فانكشف ظلامه، وزال الجهل والريب والشك بانكشافه [7] .
(1) سورة الليل: الآيتان (1، 2) .
(2) سورة الشمس: الآيتان (3، 4) .
(3) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج30، ص367.
(4) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص81.
(5) سورة المدثر: الآية 33.
(6) ابن منظور: لسان العرب، مادة ( دَبَرَ) ، ج4، ص268.
(7) البقاعي: نظم الدرر، ج8، ص234.