وأقسم سبحانه بالنهار في موضعين من كتابه الكريم، الأول في سورة الشمس؛ فقال: { وَالنَّهار إذا جَلاها } [1] ، والثاني في سورة الليل؛ فقال: { والنهار إذا تجلى } [2] .
قوله:"تجلّى"بمعنى ظهر وبان، نقول: تجلّى الشيء بمعنى انكشف، ومنه الجَلي: وهو الواضح [3] .
والضمير المؤنث في قوله:"جلاها"ظاهره أنه عائد على الشمس، بمعنى أن الشمس تظهر وتنجلي إذا انبسط النهار. وعليه فإنَّ إسناد"جلَّى"إلى ضمير النهار، من قبيل إسناد الفعل إلى زمانه، وذلك لأن ظهور الشمس يقع زمن انبساط النهار، وليس الانبساط هو المُجلِّي لها [4] .
وقيل بأنَّ الضمير المؤنث يعود على الأرض. وقيل: على الدنيا. وقيل: يعود على الظُلمة [5] .
والقول بأنَّه عائد على الشمس هو الأولى بالاعتبار، وذلك لأنَّ مرجع الضمير مذكور وهو الشمس، كما يدل على صحة ذلك سياق الآيات في السورة: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا } [6] .
ويُلحظ في كلا الموضعين اللذين أقسم الله فيهما بالنهار، أنَّ القَسَم بالنهار جاء مقرونًا بحال التجلّي؛ وذلك كما قال ابن عاشور:"إدماجًا للمنَّة في القسم"، [7] فالله سبحانه أقسم بالنهار في زمن تجليته حيث ينكشف ما كان مستورًا بظلمة الليل، فيتحرك الناس لمعاشهم، وتخرج الطيور من أوكارها، والهوامّ من مكامنها [8] .
(1) سورة الشمس: الآية 3.
(2) سورة الليل: الآية 2.
(3) رضا، أحمد: معجم متن اللغة، مادة (جَلَيَ) ، ج1، ص562.
(4) انظر: الألوسي: روح المعاني، ج30، ص141.
(5) انظر: المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج20، ص296.
(6) سورة الشمس: الآيات (1-3) .
(7) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج30، ص367.
(8) انظر: الرازي: التفسير الكبير، ج11، ص188. الصاوي: حاشية الصاوي على الجلالين، ج4، ص323.