والذي أراه راجحًا من هذه الأقوال هو المعنى الأوّل؛ أي أنَّ الفجر هو الصبح المعروف لدينا، وهذا المعنى أوْلى بالاعتبار؛ لأنه يشمل فجر يوم النحر، وفجر ذي الحجة، وصلاة الفجر، فالأولى حمل اللفظ على عمومه لعدم وجود مخصص.
يدل على ذلك تعريف (الفجر) ففي ذلك -كما يقول ابن القيم-:"ما يدلّ على شهرته وأنّه الفجر الذي يعرفه كل واحد ولا يجهله" [1] .
وأما السر في القسم بالفجر؛ فهو ما يحصل في انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق، من مشاكلة نشور الموتى من قبورهم، وفي ذلك عبرة لمن تأمل [2] .
ثالثًا: القَسَم بالصُبح
أقسم الله سبحانه بالصبح في موضعين، الأول هو قوله تعالى: { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } [3] ، والثاني قوله: { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } [4] .
ويُلحظ فيهما أنَّ القسم بالصبح جاء مقيدًا بحال إسفاره وحال تنفسه. فما المراد بهذين القيدين؟ وما سرّ التقييد بهما؟
قال ابن فارس:"السين والفاء والراء أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء". ومن ذلك الَسّفَر سُمي بذلك لأنَّ الناس ينكشفون عن أماكنهم، أو لأنه يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها. ومنه قوله تعالى: { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } بمعنى أضاء وانكشف الظلام [5] .
(1) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص 54.
(2) انظر: الرازي: التفسير الكبير، ج11، ص 148.
(3) سورة المدثر: الآية 34.
(4) سورة التكوير: الآية 18.
(5) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة ( سَفَرَ) ، ج3، ص82.