وعلى هذا يكون سرّ قسمه سبحانه بالعصر أو الزمن، نابع من العبرة والآية في هذا الزمن، والمتمثلة في مرور الليل والنهار، وتعاقبهما، على هذا الترتيب الدقيق، والنظام المحكم، واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة أخرى، واختلافهما في الضوء والظلام، والحر والبرد، وانتشار الحيوان وسكونه. ثم إن انقسام الزمن إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها، آية من آيات الله تعالى، وبرهان من براهين قدرته وحكمته [1] .
ثانيًا: القَسَم بالفجر
كما أقسم سبحانه بالفجر في السورة التي سُميت باسمه كذلك؛ فقال: { وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [2] . والفجر في اللغة: هو شق الشيء شقًّا واسعًا، ومنه قيل للصبح فجر لكونه فجَرَ الليل [3] . واختُلف في تحديد المراد بالفجر هنا [4] :
-فقيل: هو الصبح أو الفجر المعروف. وسُمي فجرًا لكونه وقت انفجار الظُلمة عن النهار مِنْ كل يوم.
-وقيل: أُريد به فجر مخصوص، وهو فجر يوم النحر. وهو أفضل الأيام عند الله كما جاء في الحديث: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر» [5] ، أو فجر ذي الحجة لأن الله قرن الأيام به فقال: { وليالٍ عشر } .
-وقيل: عَنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه، وفيها حياة الخلق. وهذا القول مبني على أصل المعنى اللغوي، وهو ضعيف إذ لا دليل عليه.
(1) انظر: ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص ص (114-115) .
(2) سورة الفجر: الآيتان (1، 2) .
(3) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص625.
(4) انظر هذه الأقوال في: الرازي: التفسير الكبير، ج11، ص148. خان، صديق حسن: فتح البيان، ج15، ص213. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج20، ص39
(5) رواه البيهقي. انظر: البيهقي: سنن البيهقي الكبرى، حديث رقم 994، ج5، ص237.