ومما يدّل على أهمية الزمن في القرآن، وعناية القرآن الكريم به، أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الليل والنهار وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقِصر من الآيات الدالّة على وجوده، فقال في ذلك: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا } [1] . فالليل والنهار آيتان دالتان على وجود الصانع، وعظيم القدرة، لأنه لابُدَّ لكلّ مُتغيِّر من مُغيِّرِ. وهو سبحانه لم يجعل الليل والنهار على هذه الصورة- بحيث يخلف أحدهما الآخر- عبثًا، وإنما جعلهما كذلك لمن أراد أن يتذكر [2] ؛ أي"لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لا بُدَّ لانتقالهما من حالٍ إلى حال، وتغيرهما، من ناقلٍ ومُغِّير" [3] .
كما يُلحظ في الآية الكريمة تخصيص الليل والنهار بأنهما آيتان دون غيرهما من الوحدات الزمنية. وفي ذلك لطيفة قرآنية نلمح من خلالها الإشارة إلى أن الليل والنهار هما بمثابة المحور الذي تُشدُّ إليه، وتُقاس بالنسبة له كل الوحدات الزمنية، سواء تلك التي تقلّ عنه ابتداءً من الثانية، أو تلك التي تزيد عنه إلى ماشاء الله تعالى من السنين والقرون، فما الثانية إلا جزء من الليل والنهار، والسنة إلا مجموعة من الأيام، والقرن إلا مجموعة من السنين [4] .
3.الإشارات القرآنية إلى قيمة الزمن
(1) سورة الإسراء: الآية 12.
(2) قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورا } . سورة الفرقان: الآية 62.
(3) انظر: الزمخشري: الكشاف، ج3، ص282.
(4) انظر: باجودة، حسن: تأملات في سورة الإسراء، ص84.