وفي القرآن الكريم إشارات لطيفة إلى قيمة الزمن وأهميته في حياة الإنسان، وحضٌّ على الاستفادة منه بعيدًا عن الغفلة والتسويف، وما كلمات"استبقوا"و"سارعوا"ونحوها إلا تأكيد لهذه المعاني.
قال تعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [1] . وأصل السبق: هو التقدم في السير. والمراد منه هنا المعنى المجازي، وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه، خَشية هادم اللذات، وفجأة الفوات [2] .
وقال تعالى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [3] . والمسارعة: هي المبادرة؛ أي الحرص والمنافسة في عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة ودخول الجنّة، حتى لكأن كل واحدٍ من الناس يسرع ليصل قبل غيره [4] .
وفي لفظتي"استبقوا"و"سارعوا"ما يشير إلى قيمة الزمن؛ فالعمر قصير، ولا يكفي المؤمن - إذا أراد الدرجات العُلى- أنْ يفعل الخيرات وهو متراخٍ في ذلك، بل لا بدَّ من الاستباق في الخير والمسارعة إلى المغفرة، بمعنى: أن يستغل كل لحظة من وقته للسير في الطريق الموصلة إلى جنّةٍ عرضها السماوات والأرض، وكأنه في صراع حقيقي مع الزمن.
4.الدعوة إلى استثمار الزمن في الخير
من منهج القرآن الكريم في العناية بالزمن، الدعوة إلى الحرص عليه، والعمل على استثماره والإفادة منه، وتسخيره دائمًا في الخير، ويُبرز القرآن الكريم هذه القضية في صور عديدة ومناسبات شتى.
(1) سورة البقرة: الآية 148.
(2) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج2، ص43.
(3) سورة آل عمران، الآية 133.
(4) انظر: ابن عطية: المحرر الوجيز، ج1، ص507. ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج4، ص88.