وفي ذلك يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى:"ولا ينكر القول به على الجملة مذكور ، وقَبِله منكرو القياس واستعملوه في الظواهر والأخبار وحكى القاضي عن الملقب بـ"البصري"- وهو جُعْل - أنّه أنكر القول بالترجيح ، ولَمْ أرَ ذلك في شيء مِن مصنفاته مع بحثي عنها" [1] ا.هـ .
كما أنّ تضارُب المحكي عن القاضي الباقلاني في نسبته إلى البصري مرّةً وإلى أبي عبد الله مرّةً وإلى أبي الحسين مرّةً أخرى تقوِّي ضَعْف هذا المذهب .
ثالثا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلتهم في حُكْم العمل بالدليل الراجح يتضح لنا ما يلي:
1-أنّ كثيرًا مِن الأصوليين حصر النزاع بَيْن مذْهبيْن ، مع اتفاقهم في نسبة المذهب الأول إلى جمهور الأصوليين وعامّتهم ، واختلافهم في نسبة المذهب الثاني: فمنهم مَن نسبه إلى الباقلاني رحمه الله تعالى ، ومنهم مَن أورده مقابل مذهب الجمهور بصيغة"وأنكره قوم".
2-أنّ إنكار الترجيح ليس مذهبًا لِلباقلاني رحمه الله تعالى ، وليس مذهبًا لِلبصري الذي نفاه عنه الجويني رحمهما الله تعالى ..
وقد أوَّلتُ مذهب البصري لِيكون قريبًا مِن مذهب الباقلاني رحمهما الله
تعالى ، وبذا حصرتُ مذاهب الأصوليين في حُكْم العمل بالدليل الراجح في مذْهبيْن .
3-أنّ المذهب الأول - القائل بوجوب العمل بالدليل الراجح - يكفيه قوّةً
وترجيحًا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على العمل به ، كما أنّ أدلته سلمت جميعها مِن المناقشة والاعتراض ، كما أنّ أدلة المذهب الثاني لَمْ تَسلم جميعها مِن الاعتراض والمناقشة .
ولِذَا كان المذهب الأول - القائل بوجوب العمل بالدليل الراجح - هو الأَوْلَى بالقبول والاختيار .
(1) - البرهان 2/1142